في إحدى محاضرات فصل (دراسات السكان الأصليين لأمريكا) عرض أحد الزملاء هذه الصورة لشعار قرية (وايتسبورو) بولاية نيويورك.

whitesboro-seal

أثارت هذه الصورة جدلا كبيرا إذ اعتبرها السكان الأصليون مهينة وطالبوا بتغييرها، لكن أهل القرية رفضوا ذلك في استفتاء رسمي وتمسكوا بشعار قريتهم واتهمهم الكثيرون حينها بالعنصرية. أخبرنا الزميل أن هناك سوء فهم، وأن الصورة ليست كما تبدو عليه وهناك قصة ورائها: كانت العلاقات بين مستعمرة (وايتسبورو) وجيرانهم من السكان الأصليين من قبيلة “أونيدا” ودية بخلاف معظم الأماكن الأخرى في أمريكا، وفي إحدى الاحتفالات المشتركة بين أهل المجتمعين، بدأ الهنود في التصارع على سبيل الهزل، وفاز الزعيم الهندي على كل منافسيه فتحداه مؤسس القرية الأوروبي أن يصارعه، فغلبه الأوروبي ورسمت هذه الرسمة تخليدا لتلك الحادثة الودية!

قلت له إن الصورة مسيئة فعلا ولا معنى لذكر السياق هنا. إنني حين أنظر إلى هذه الصورة لا تبدو لي كل هذه القصة، ولا أرى سوى أوروبي يخنق هنديا! في الحقيقة إن فكرة الصورة بحد ذاتها مضادة للسياق. هناك فرق رئيسي بين إظهار الشيء في هيئة صورة والكلام عنه: الفكرة الكامنة وراء التصوير الفوتوغرافي أنه بالإمكان أن نأخذ شريحة من الأحداث ونعزلها عما سبقها وما تلاها ونستخلص منها المعاني بشكل مستقل. (وقد تكون هذه المعاني صحيحة وقد تكون مضللة تماما) أما الكتابة فلا يكون لها معنى في غير سياق يأتي عبر سلسلة من التمهيدات والاستنتاجات. المعنى يختلف لو نزعت الكلمة من السباق واللحاق، لكن لا شيء مثل هذا في الصور، لا صورة مأخوذة في غير سياقها لأن الصور لا تتطلب أصلا أي سياق. وبالتالي فمن حق الهنود أن يشعروا بالإهانة من الصورة حتى وإن كان ورائها قصة مختلفة.

في الكلام عن الفرق بين الصورة والكلمة، يقول (نيل بوستمان) إن الصورة لا تتعامل مع الغيب والبعيد والخالد والمجرد. لا يمكنك أن تصور “الطبيعة” أو “البحر” لكن يمكنك أن تصور “جزءا” من بحر، وبالمثل لا يمكنك تصوير الحب أو الصدق أو الشرف لأنها أمور مجردة والصور لا تتعامل مع المجردات.

وإذا كانت طريقة تسجيل الصورة للأحداث مختلفة عن الكتابة، فإن فاستخلاص المعاني من الصور يختلف اختلافا جذريا عن استخلاصها من الكلمات. الصور تحتاج اعترافا بها (هل هذه الصورة حقيقية أم لا؟) أما الكلمات فتحتاج فهمها. الصور لا تعطي أي تأكيدات أو حجج وبالتالي فهي بطبيعتها غير قابلة للدحض إذ لا تتطلب أكثر من اعتراف بصحتها. ويذكرني هذا بالمحاولات المضحكة لدحض الصور على فيس بوك عن طريق رسم دوائر على تفاصيل جانبية في الصورة ومحاولة تحليلها ووضع سياق متكلف فيما لا يقبل السياق أصلا. ذلك أن هدف التصوير نزع الصورة من السياق، المعنى الكامن وراء التصوير الفوتوغرافي أن أي حدث يمكن انتزاعه وتجميده وعرضه بشكل مستقل. في عالم الصورة يختفي السياق ويبدو كل شيء منفصلا. لكنّ إدراك التناقض لا يتم دون سياق، ومن هنا يمكن أن نفهم خطورة الاعتماد على الصورة كمصدر وحيد للحقيقة.

في الوقت الحاضر، وبسبب الفيس بوك إلى حد كبير، أصبحت الرؤية ـ لا القراءة ـ هي أساس التصديق وتكوين المعتقدات بالنسبة للكثيرين. رأيت صورة نشرتها إحدى المصريات المؤيدات للمجرم بشار الأسد (وظاهرة المصريين المؤيدين لبشار ولأي مجرم في أي مكان في العالم ظاهرة غريبة، لكن هذا موضوع آخر) كانت هذه الصورة لبشار مع زوجته يوزعان الطعام على بعض الناس مع تعليق: الذي يطعم شعبه لا يمكن أن يقتلهم! هي لا تدرك أن هذه الصورة تمثل جزءا من الواقع لا كل الواقع وأن مفهوم “الشعب” لا يمكن عرضه بالصور وإنما الممكن أن نعرض شريحة تمثل “بعض” الشعب، وبالتالي فلا شيء يمنع الإنسان من أن يطعم بعضا من شعبه ويقتل البعض الآخر. لا تفهم أن صحة خبر ما لا تمنع بالضرورة صحة خبر آخر. إن خبر إطعام بشار لبعض الناس، وهو المستفاد من تلك الصورة، لا يتعارض مع أخبار قتله لمئات الآلاف من الناس الآخرين. هذا المنطق المخبول وإنكار الواقع وعدم القدرة على التحليل ورؤية الصورة الإجمالية للأحداث هو النتيجة النهائية لاعتماد الصور مصدرا وحيدا للحقيقة وطريقة لتكوين المواقف والمعتقدات.

One Response