هناك فرق بين عدم معرفة الحقيقة، وعدم الرغبة في معرفتها. ومن علامات الإنسان الشريف أنه إذا تكلم قال ما يعتقد حقا بوضوح وشجاعة دون مراوغة وتلاعب، وإلا سكت، إذ “لا ينسب إلى ساكت قول.”
قرأت منذ أسابيع منشورا تافها لأحد المشاهير يتحدث فيه عن داعش بما معناه أنه لم يكن يعرف عنها شيئا، حتى فوجيء بوجود تحالف دولي ضدهم (تحالف مفاجيء!) قوامه أوروبا وأمريكا .. ففكر أنه ما دام هؤلاء أعدائهم، فهو، إذن، مؤيد لهم!!
من أشهر الخدع التي يستخدمها الإنسان في خداع نفسه لتبرير مواقف منحطة، أو الهروب من مسئولية اتخاذ موقف مشرف مخالف لهواه أو طائفته أن يحتج بوجود وجهات نظر أخرى. وما دامت هناك آراء أخرى، فالمسألة إذن نسبية. وما دامت نسبية فلا حقيقة أصلا، أو هناك حقيقة ولا سبيل للوصول إليها. وبالتالي لا داعي لاتخاذ موقف من الأساس (وانا لا مع دول ولا مع دول، وال٧ لو شفتها من ناحيتي هتبقى ٨ الخ)
أذكر أن شخصا ما، يوم مذبحة فض اعتصام رابعة العدوية، قرر أن يتجاهل كل الصور والفيديوهات البشعة وشهود العيان، وبعضهم أصدقاء له. تجاهل كل ذلك ونشر على صفحته صورة مأخوذة من إحدى الصفحات من نوعية: أصدقاء الشرطة المصرية بشبين الكوم. في الصورة نجد ضابطا ما يقبل رأس امرأة كبيرة في السن، وعلى تلك الصورة كتب ذلك الشخص: الوجه الآخر للحقيقة!!
بالنسبة له، هذه الصورة دليل كاف على أن للحقيقة وجهان. الوجه الأول أن ما حدث في رابعة مذبحة، والوجه الثاني أنه لم تكن هناك أي مذبحة، وأن الجيش والشرطة قد هاجما الميدان من أجل تقبيل رؤوس المسنات. أما القواعد العقلية التي نستخدمها في حياتنا مثل الموازنة بين الأدلة والتفريق بين الشهادة والبرهان، وأن صحة خبر لا تنفي صحة خبر آخر، وأهمية السياق وتجميع الروايات .. كل هذه لا قيمة لها .. الحقيقة لها وجهان والوجهان متساويان وهذا كل ما في الأمر!!
نجد هذا أيضا عند أكثر مؤيدي داعش الذين قرروا تجاهل كل أدلة إجرامها أو التشكيك فيها ابتداء وحجتهم أننا في عصر النت، وممكن أن يقوم أي شخص بأي فعل وينسبه لداعش لتشويه صورتها .. ربما الموساد أو السي آي إيه مثلا. من يدري؟ .. هو يريد دليلا قاطعا لا يقبل الشك ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وإلى أن يأتي هذا الدليل الأسطوري، فالحكمة ،التي هي ضالة المؤمن، تقتضي ألا نتعجل في الحكم، وأمامنا العمر للحكم، والعجلة من الشيطان. وحتى ذلك الحين، فهم مجاهدون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم والله نسأل أن ينصر أهل الحق في كل مكان (النسخة الإسلامي من “ربنا يولي من يصلح”) أو ربما فعل كالشخص المذكور في أول المقال فاخترع قانونا جديدا للحكم على الأشياء وهو: ما دامت أمريكا تحاربهم فنحن معهم!
لكن كل هذا كلام فارغ. وأولئك بشر قرروا أن يخادعوا أنفسهم، و”من أراد أن يتجنى قدر”، وحسبي أن ”الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره”. وهذا الموقف ليس إلا موقفا دفاعيا نفسيا ابتدائيا من قبيل قوله تعالى “وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا. أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا. أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه”! ولكنّ هذا لن يكون!
هناك حقيقة، وهناك طرق للوصول لهذه الحقيقة. لكن الحياة لا تعطينا رفاهية الدليل القاطع الذي ينزل من السماء فتظل أعناقنا له خاضعين. النسبيات أكثر من القطعيات بكثير، وهذه النسبيات طريق للوصول للقطعيات. وكل الأشياء في الدنيا تقريبا فيها رأيان، وهذا ليس بشيء و(ليس كل خلاف جاء معتبرا ** إلا خلاف له حظ من النظر)

يقول الله تعالى “وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين” مستبصرين: أي لديهم القدرة على التمييز بين الحق والباطل بالنظر والاستدلال ولكنهم أهملوها!

2 Responses

  1. قراءه ما تكتبه متعه وفسحه للتفكر
    تابع نحتاجك بشده في زمن المهرجانات

  2. In summary, if you’re sick and tired with training or skipping meals to shed pounds
    you caan check out this new “weight reduction trick” given iit
    will llet yyou achieve yojr unwanted weight loss goal quicklky aand naturally.

    It does exist, it is not a lie, however it uszually work just on laboratory animals.
    You must consume leszs than your burn iin calories
    and energy. http://simonaavr024blog.pages10.com/How-To-Prepare-Yourself-Mentally-For-Weight-Loss-3557952