وقع حادث غير مسبوق في الاتحاد السوفييتي عام ١٩٨٣، عندما قام صحافي روسي يدعى “فلاديميير دانشيف” بإدانة الغزو السوفييتي لأفغانستان علنا في خمس حلقات إذاعية متتابعة، وسماه اعتداء صريحا على الشعب الأفغاني ودعاهم لمقاومته والدفاع عن بلادهم!
لاحقا أودع هذا الصحافي مستشفى للأمراض العقلية لمدة سبعة أشهر، وقال أحد المسئولين حينها معلقا على خروجه “إن دانشيف لم يعاقب لأنه مريض وليس على المريض حرج”!
احتفت وسائل الإعلام الغربية احتفاء كبيرا بهذا الحدث الأول من نوعه واعتبرته كسرا للهيمنة السوفيتية أورويلية الطابع وفضحا لروايتهم التي كانت تقول إن السوفييت ليسوا أكثر من مدافعين عن أفغانستان ضد العصابات القادمة من باكستان والمدعومة من أمريكا. لقد كان هذا الحادث الجلل كسرا لحدود التفكير السوفيتية!
كان المعنى الضمني لكلام الصحف الغربية: انظروا إلى ما حدث هناك. هذا شيء لا يمكن أن يحدث في بلادنا. لا يمكن أبدا أن يعترض أحد على حرب لأمريكا فيودع في مشفى للأمراض العقلية! لكن ناعوم تشومسكي لاحظ أن سبب عدم حدوث ذلك أنه لا يخطر على بال أمريكي أصلا أن يقوم بمثل ما فعل دانشيف حتى مع تشابه الظروف، وضرب مثلا بحرب فيتنام وشرح أن خلفيات هذه الحرب لا تختلف كثيرا عن الغزو السوفيتي لأفغانستان، ولكنه مع ذلك، بعد بحث مكثف في وسائل الإعلام والأكاديميا، لم يجد أي إشارة لل”غزو” الأمريكي لفيتنام أو “الهجوم” أو “الاعتداء” على الهند الصينية فضلا عن مطالبة الفيتناميين بالدفاع عن بلادهم! يعني أن الأمريكان لم يكن عندهم أصلا مقابل أمريكي لدانشيف يسمي الغزو باسمه مع تشابه الموقف مع أن الأمر في الحالة الأمريكية لا يتطلب شجاعة بل مجرد بعض الأمانة والشرف، إذ لاخوف من رد فعل عنيف من قبل الدولة. سوف لن يودع هذا الشخص مستشفى للمجانين لكنه قطعا سوف يفقد مكانته العلمية والمهنية.
كل المعلقين كانوا يتحدثون عن “الدفاع” عن جنوب فيتنام ضد الإرهابيين المدعومين من الدول الشيوعية. حتى المعارضة للحرب كانت معارضة “عملية” حريصة أشد الحرص على تمييز نفسها عن المعارضة غير العقلانية والعاطفية للحرب (أي تلك المبنية على أسس أخلاقية فحسب.) كانت تلك المعارضة تقول إن هذه الحرب لا يمكن كسبها دون تكلفة كبيرة، أو أن الأهداف غير واضحة أو أن هناك أخطاء في التنفيذ! وهو نفس النوع من الأسباب التي جعلت جنرالات جيش هتلر يعارضون اجتياحه لستالين جراد! فما سبب هذا الخنوع للدولة؟ إن حقائق الجرائم الأمريكية في فيتنام لم تكن خافية على أحد، بل كانت متاحة.
لقد كان الجدال بين الصقور والحمائم ملخصه أن الصقور يرون أن استخدام قدر من العنف كاف لكسب الحرب بينما كان الحمائم يقولون إن هذا من غير المحتمل، وإن كانوا يتمنون أن يكونوا على خطأ في ذلك. في هذه المناظرة والجدل العام لم يكن مما يناقش فيها وجهة نظر مناصري السلام القائلة بأن هذه الحرب ليست مجرد خطأ بل هي جريمة وعمل غير أخلاقي. لم تدخل مناقشة جرائم الحرب، بما فيها جريمة الحرب الاعتدائية على دولة أخرى في ذلك الجدل. كل المعترضين على الحرب كان سبب اعتراضهم أنها حرب فاشلة لكنها ذات أهداف نبيلة وجرى تنفيذها بأسمى النوايا! أما كل من اعترض على هذه الافتراضات المسبقة وطالبوا بالتدليل على صدقها فقد ظهروا ببساطة عاطفيين أو حتى شيوعيين! وبالتالي فآرائهم تلك تقع خارج مدى التفكير المقبول outside the spectrum of thinkable thought.
كتب تشومسكي واحدا من أشهر مقالاته بعنوان حدود التفكير المقبول* في محاولة للإجابة عن هذا السؤال، فرق فيه بين طريقة التحكم في التفكير في النظامين الديمقراطي والسلطوي. في النظام السلطوي لا يهتم الذين يحكمون بالقوة كثيرا بأفكار الناس، لكنهم يهتمون بما يستطيع الناس فعله. الناس لا بد أن يطيعوا وهذه الطاعة يمكن ضمانها بالقوة، وتختلف عقوبة العصيان بحسب صفات الدولة الحاكمة. أما في النظم الديمقراطية فالأمر مختلف، فمن الضروري التحكم ليس فقط فيما يفعل الناس ولكن أيضا فيما يفكرون. ولما كانت الدولة الديمقراطية تفتقد القدرة على ضمان الطاعة بالعنف، فإن التهديد ضد النظام لا بد أن يعالج من مصدره وهو الفكر، ومن ثم فمن الضروري وضع إطار للفكر المسموح به والذي يضع هذا الإطار هو دين الدولة (يعني مبادئها وقيمها السائدة) هذه المبادئ لابد من التأكيد عليها وافتراضها بشكل مسبق قبل أي نقاش. ويعزز المنتقدون هذا النظام عن طريق قبولهم لهذه المبادئ الضمنية وتحجيم انتقادهم إلى المسائل التكتيكية فحسب. (يناقشون “كيف” نكسب الحرب لكن لا أحد يتساءل “لماذا” أصلا ندخل الحرب) من أجل أن يسمح لك بالدخول في ذلك الجدل والنقاش المجتمعي لابد أن تقبل دون نقاش بالمبدأ القائل بأن الدولة حسنة النية وأن الحكومة تتخذ موقفا دفاعيا ورد فعل على جرائم الآخرين. وحين يقبل حتى أشد المعارضين شراسة بهذه المبادئ فإن الشخص العادي يتساءل: من أنا لأعترض؟ وكلما زاد الجدل بين الصقور والحمائم كلما ترسخ دين الدولة ومبدأها. ومن أجل مساهمة أولئك المعارضين في التحكم في الفكر فإنه يتسامح معهم بل يكرمون للعبهم بحسب القوانين!
أمر مشابه وجدته فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. في معظم النقاشات التي خضتها هنا، كان أشد الأمريكان حبا للسلام وتعاطفا مع الفلسطينيين يتكلمون عن المستوطنات في الضفة والصواريخ من غزة. هذه هي حدود القضية المسموح بالنقاش في إطارها، وبالتالي فعملية السلام تتوقف على إيجاد طريقة لـ”تجميد” بناء المستوطنات وإيقاف إطلاق الصواريخ وإنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة فيما تبقى من فلسطين. أما سؤال شرعية دولة إسرائيل فلا أحد يجرؤ على نقاشه، فهذا سؤال تم طرحه من دائرة النقاش للأبد، حتى رغم الاعتراف بحقائق تهجير السكان الأصليين ومعاناتهم في الشتات وإقامة دولة للمهاجرين على أنقاض مدنهم وقراهم. هناك تصميم على تجاهل الصورة الكلية ومناقشة التقنيات والتفاصيل الصغيرة مثل الاعتراض على خروقات الإسرائيليين لحقوق الإنسان، دون مناقشة الطريقة التي أنشئت بها إسرائيل. في إحدى المحاضرات تساءل الدكتور: هل يمكن اعتبار إسرائيل دولة غير شرعية لممارسة الموساد لعمليات اغتيال بشكل دوري للمدنيين؟!! وكأن هذه هي المشكلة. إن كل مناقشة للتفاصيل الهامشية تسهم في تثبيت الوضع الحالي وتجاهل الصورة الكلية وترسيخ الإطار المسموح بالتفكير ضمنه .
ينصح ناعوم تشومسكي في نهاية مقالته كل الساعين إلى الحرية بمحاولة فهم ممارسات وتقنيات التلقين التي تمارسها الأنظمة من أجل فرض مبادئها ووضع إطار للتفكير المسموح به وكسر هذا الإطار. يبدو الأمر سهل الإدراك في الأنظمة الشمولية الفجة، لكنه يصبح أقل سهولة في حالة الأنظمة الديمقراطية التي تمارس “غسيلا للمخ في أجواء من الحرية” ذلك أن “البروباجاندا للديمقراطية تقوم بنفس وظيفة العنف بالنسبة للدولة السلطوية.”
================
- the bounds of the thinkable thought
السلطويه داء العالم الثالث والديمقراطيه الحقه بعيد عنا بعد النجوم تحياتي