رأيت، أول وصولي أمريكا، فتاة جميلة تمشي مع كلبها ثم توقف الكلب ليقضي حاجته. انتظرته الفتاة حتى انتهى، ثم وضعت فضلاته في كيس بلاستيكي كان معها! كان ما فعلته الفتاة تطبيقا للقانون الذي يقضي بمسئولية الإنسان عن تنظيف فضلات كلبه، لكنني تعجبت كثيرا من ذلك المشهد حتى كدت أن أسألها: هل يستحق الأمر ذلك العناء؟!
أدركت لاحقا أن الأمر يستحق من وجهة نظر معظم الأمريكيين، الكلب هناك حيوان محترم، يعتقد الكثيرون أنه الوحيد الذي يبادلك الحنان دون مقابل وأن صحبة الكلاب أفضل من صحبة البشر. لذا فأكثر الأسر عندها كلب أو اثنان يقومان مقام الأطفال. يعتني بالكلاب اعتناء تام. وإذا أرادوا السفر اتفقوا مع شخص ما يكون مسئولا عن تمشية الكلب وإطعامه.
ولذلك كان أول ما لفت انتباهي عند عودتي إلى مصر، بعد عام دراسي قضيته في أمريكا، كلاب الشوارع! التفتت لوجودهم، لأول مرة، وحالهم المزري والفرق الشاسع بين ما يلقونه هنا وما يلقاه أخوتهم هناك. الكلب هناك فرد من أفراد الأسرة. رأيت مرة أسرة مكونة من أب وأم وطفل وكلب. كانت الأم تلاعب الطفل والأب يلاعب الكلب بنفس الحنان! تعجبت وفكرت في أن هذا الكلب يأخذ من نصيب الطفل من الحنان والاهتمام! أما هنا، فإننا إذا أردنا ضرب المثل في تدني وانحطاط الحال نقول: فلان حاله يقرف الكلب الجربان!
العلاقات الأسرية في مصر، رغم كل التغيرات الحديثة، ورغم أن الأسرة المصرية مربوطة لا مترابطة (باستخدام تعبير صديقي عبد الرحمن الدسوقي) إلا أنها أقوى كثيرا من العلاقات الأسرية في أمريكا. لكن الملفت للانتباه جدا هو قوة المجتمع المدني والروابط الاجتماعية بين الناس في الأحياء أو البلدات أو القرى. يتجلى هذا في عدد الفعاليات الكثيرة التي يقوم بها السكان المحليون، التي تتطلب عددا كبيرا من المتطوعين والتنسيق التام بينهم. عرفت، مثلا، أنه في بعض ضواحي فيلادلفيا (وربما في أماكن أخرى أيضا) يقوم السكان بإغلاق شارعهم في بعض الأيام الحارة، وفتح نوافير المياه العمومية وترك الأطفال يلعبون في المياه، بينما تقدم كل أسرة طاولة أمام بيتها فيها بعض الأطعمة تتشاركها مع الجيران. وحضرت في ولاية (ماين) فعاليات كثيرة ومهرجانات يقوم بها متطوعون بتنسيق عال جدا. حضرت مهرجانا يقوم فيه الناس بتمثيل الحياة في القرن السابع عشر، وحضرت مهرجان (السيرب)، وهو مهرجان يشرح فيه أصحاب مزارع السيرب كيف يستخلصونه من الأشجار ويعرضون بعض النماذج المجانية للجمهور، كما حضرت مهرجان الرقص الشعبي الأمريكي. كل هذه المهرجانات كان قوامها متطوعين يعملون بتنسيق عال جدا. إلى جانب طبعا عدد لا يحصى من الأنشطة الطلابية في الجامعة، ولمثل هذا الأمر تنجح جدا مشاريع جمع التبرعات. هناك ناس يحبون المشاركة ومستعدون للتعاون من أجل هدف مشترك! ولأجل الصالح العام!


قارن هذا بالتفكك شبه التام للمجتمع المدني في مصر، على الأقل في المدن، حيث سكان العمارة الواحدة بالكاد يعرف بعضهم بعضا، وأحيانا حتى لا يتبادلون التحيات. في أغلب الأماكن لا يستطيع أولئك السكان تنسيق أي عمل مشترك يعنيهم جميعا مثل تصليح المصعد أو تنظيف السلم أو حل مشكلات ركن السيارات، فضلا عن عمل نشاط ترفيهي تعارفي مشترك من أجل الانبساط وقضاء وقت ممتع. لاحظ أنني هناك أتكلم عن عمارة سكنية واحدة، ولا أتكلم عن حي أو قرية أو بلدة!
لا أظن أن الأمور كانت دائما كذلك، ولا أدري والله ماذا حدث للمصريين، على رأي جلال أمين، وجعلهم أفرادا منعزلين مستهلكين تماما في التفكير في ذواتهم! هذا مختلف عن الصورة التي تنقلها الأفلام القديمة التي تدور أحداثها في الحارة مثلا، ولكن ذلك موضوع آخر على كل حال!
وعلى ذكر الانبساط والصالح العام، فإن أكثر ما يلفت انتباهك في كل المدن والبلدات الأمريكية (التي زرتها على الأقل) هو وجود مساحات عامة مجانية جميلة. بإمكان الشخص المعدم، أن يمضي يوما سعيدا أو أمسية هانئة على شاطئ بحر أو بحيرة، أو يلعب الشطرنج في حديقة عامة واسعة، أو يقضي يومه في حديقة قومية من الغابات المحفوظة أو يتمشى في شارع مفروش بورود وزهور وحدائق ذات بهجة! وأخبرني أحد الأساتذة أن القانون ينص على أن البحيرات الكبيرة لا يمكن قانونا إغلاقها على الناس بالتملك. لا بد أن يكون هناك منفذ مجاني لكل الناس! قارن هذا بالقرى السياحية على الساحل الشمالي مثلا، التي بدلا من ان تكون مدنا جديدة مزدهرة بسبب موقعها المتميز، تستقبل الزيادة السكانية، صارت مصايف مخصصة لعدد محدود من الناس يستخدمونها لعدد محدود من الأسابيع في السنة!
بالتالي يشعر الإنسان العادي في أمريكا أنه ينتمي للمدينة، شعور الانتماء للمدينة هذا يأتي من الإحساس بملكية أماكن فيها لا يمكن لأي شخص أن يتعدى عليها.



وكان من المشاهد التي تحزنني كثيرا في مصر أن أرى أسرة تجلس على حشائش في وسط ميدان عام وتحاول الاستمتاع بالجو وسط التلوث والضوضاء وانعدام الخصوصية الناتج من آلاف السيارات المارة بهم. ليس هناك مكان جميل مجاني لهؤلاء الناس. كان يطلق على البحر في الإسكندرية قبل خصخصته (فسحة الغلبان) ذلك أن الغلبان كان يستطيع أن يقضي يوما سعيدا في البحر ويعود دون تكاليف! أما الآن فالمجال العام قارب على الاختفاء!
كل شيء في أمريكا واسع وكبير (باستثناء المخدات!). كل الأشياء متوافرة بأحجام كبيرة ومساحات واسعة وكميات هائلة وأنواع متعددة.
ومن اللافت اختلاف أمريكا عن أكثر دول العالم في مسألة هروب الناس من المدن الكبيرة إلى الضواحي. بل حتى في ولاية صغيرة قليلة السكان مثل (ماين) في أقصى الشمال الشرقي، حيث البلدات والقرى وليس ثمة مدن كبيرة (مدينة بورتلاند أكبر مدن الولاية عدد سكانها حوالي ٦٦ ألف نسمة فقط) حتى في هذه الولاية تجد البيوت المنفردة خارج البلدات الصغيرة على طول الطرق كثيرة جدا. حتى أنني كثيرا ما تسائلت عن مصدر دخل أولئك الناس في البيوت المعزولة على التلال والبعيدة جدا عن التجمعات السكنية!
الذي دفعني للتفكير في ذلك هو أنني تمشيت كثيرا في مدن كبيرة ولم أر مبان حديثة التشييد أو مبان جديدة إلا نادرا جدا .. الشعور الذي ينتابك في المدن الكبيرة مثل بوسطن أو شيكاغو، أن المدينة على حالها منذ عشرات وأحيانا مئات السنين، في الأحياء القديمة. يعطي هذا شعورا بالأمان والهدوء. قارن بهذا بحالة البناء المسعور في كل المدن المصرية تقريبا (وهي مبان تفوق حاجات السكان، ومعظمها فارغ بسبب أسعارها المرتفعة غير المتناسبة مع قانون العرض والطلب، كما أظن أنها تفوق إمكانيات المدن المقامة فيها عموما، فلو شغلت معظم تلك العقارات حديثة البناء فسوف تتفاقم مشكلات الكهرباء والمجاري والنظافة والمواصلات!) لكن ما أعنيه أن الشعور الذي ينتابك دائما أن المدينة في حالة عدم استقرار وبناء دائمين، أكثر ما تقع عليه عينك في مصر عمارات حديثة البناء، بل حتى العديد من الأبنية القديمة نسبيا بلا طلاء، وكأن الأمر لا يستحق. كأن ساكنيها يشعرون بأن إقامتهم فيها مؤقته، وأنه لا داعي لإنفاق الوقت والمال في طلاء المبنى من الخارج. المهم أن هناك حائط وسقف ومكان نقضي فيه الليل وحسب!

يصبح الطفل شخصا مستقلا عند بلوغه الثامنة عشرة من عمره. غالبا ما ينتقل الطالب الجامعي إلى جامعة في ولاية أخرى أو في نفس الولاية لكنها تبعد ساعات عن مسكنه (لاحظ أن الناس يسكنون في أماكن متباعدة جدا عن بعضهم البعض لتفضيلهم العيش في بيوت مستقلة في الضواحي) ويكون الطفل في ذلك الوقت مسئولا عن نفسه بشكل شبه تام. يفيد ذلك الأمر طبعا في أنه يتعلم المسئولية والاعتماد على نفسه في سن مبكرة، لكن الحياة تكون أصعب، ويكون المراهق في مواجهة العالم دون دعم نفسي وقبل بناء مرجعية أخلاقية صلبة توفرها الأسرة. يتعلم الأنانية والتمركز على نفسه. يعمل لساعات طويلة في مطاعم أو متاجر كبرى. ويكون ما يتلقاه من مال كافيا لتلبية احتياجاته من سكن ومصاريف أساسية، لكنه يقينا سوف يتخرج بدين دراسي رهيب، ما لم يكن متفوقا جدا بما يكفي لحصوله على منح دراسية في كل سنوات دراسته.
يدفعني هذا إلى الحديث عن الحياة الجامعية المختلفة جدا. إن مما تعلمته ورأيته رأي العين أن التعليم أكبر من مجرد جمع المعلومات. الأنشطة الطلابية في الجامعات الأمريكية شيء مقدس، وهي محور حياة الطلاب. تفريغ التجربة التعليمية من تلك الأنشطة يعني تفريغ التعليم ذاته من أهم مكوناته!
في أول العام الدراسي عرضت في الساحة الرئيسية للجامعة الواسعة جدا طاولات الأنشطة الطلابية المختلفة. وجدت عشرات الأنشطة بدءا من اتحاد الطلاب الكاثوليك، مرورا بنوادي تعلم الصيد والتصوير الفوتوغرافي ورعاية المواشي، نهاية بنادي التوعية الجنسية ورابطة الطلاب المثليين، إلى جانب عدد كبير من الأخويات والنوادي النسائية. تقوم اتحادات الطلاب هذه بأنشطة لا حصر لها على طول العام الدراسي، إلى جانب الفعاليات التي تنظمها الجامعة نفسها من محاضرات وأنشطة ترفيهية وتثقيفية (فعلى سبيل المثال، استضافت الجامعة “سوكي كيم” الصحافية الجنوب كورية التي ذهبت إلى كوريا الشمالية كمدرسة وحكت تجربتها في كتاب من أكثر الكتب مبيعا، وكانت تلك من أكثر المحاضرات إمتاعا كما قامت الجامعة باستضافة عرض”ستاند اب كوميدي” ذات مرة ومرة أخرى استضافت منوما مغناطيسيا قام بعرض من أكثر ما رأيت إدهاشا، وأشياء من هذا القبيل) ولا أنس طبعا الفرق الرياضية والتي يعتبر الاشتراك فيها مفيدا جدا للطلاب إذ يعفون من دفع المصاريف الدراسية الباهظة ويتلقون رواتب مجزية. وتشارك فرق الجامعات في الدوري وتقام المباريات أحيانا في الجامعة. إلى جانب صالة الألعاب الرياضية وسينما الجامعة التي تعرض فيلما أسبوعيا. معنى هذا أنه لا مجال أبدا للشعور بالملل في الجامعة. هناك دوما أنشطة متنوعة تلبي احتياجات كل الطلاب واهتماماتهم أيا كانت. من خلال هذه الأنشطة يتعلم الطلاب دروسا عظيمة في الحياة ويتفاعلون مع أفكار مختلفة. وينظم اتحاد الطلاب نفسه أنشطة كبيرة مثل مهرجان الرقص الذي يشارك فيه الطلاب الدوليون برقصات من بلادهم في مسرح الجامعة الكبير، والمهرجان الثقافي وهو أكبر الفعاليات في الجامعة وأكثرها جمالا، الذي يشارك فيه الطلبة الدوليون بأزياء وعروض وأكلات من بلادهم. ويقوم اتحاد الطلاب بعمل ما يسمى ساعة القهوة كل جمعة من كل أسبوع يتولى تنظيمها أي فريق يرغب في ذلك للتبادل الثقافي وعقد المعارف مثل اتحاد الطلاب الأفارقة (الذي كنت عضوا فيه) واتحاد طلاب جنوب آسيا وتقوم تلك الفرق بتجهيز .الطعام المجاني والمشروبات للطلاب وبعض الأنشطة الممتعة جدا

وعلى ذكر “المجاني”، فمن الأشياء الغريبة جدا أن إعلانات الأنشطة الطلابية أو غيرها عادة ما يكون مكتوبا في العنوان بخط عريض (أكل مجاني) أو بيتزا أو مشروبات مجانية الخ. وكنت أتعجب كثيرا من ذلك، وحين سألت قيل لي إن مسألة المجانية مهمة من ناحيتين الأولى مادية لأن على الطلاب أعباء مادية كثيرة، والثانية أن ذلك يعني توفير تعب تجهيز وجبة لأنفسهم، وبالتالي فهذا عامل جذب مهم. ولم يكن عن هذا سؤالي .. إنني لا أنكر فائدة الطعام المجاني، لكنني كنت أتعجب من ذكر هذا في العنوان صراحة، إنني أترجم ذلك العنوان كالتالي: سوف أشتري وقتك مقابل وجبة غذائية مجانية! وهذا مهين جدا. في ثقافتنا حينما ندعو أحدهم فإننا نصر على أن ما نقدمه “حاجة على ما قسم” وأنها، دائما، “ليست قد المقام”، ولكن عذرنا أن “بصلة المحب خروف” حتى لو كانت العزومة على خروف حقيقي، لا بصلة للمحبين! إن المعنى وراء ذلك أن صاحب الدعوة يريد ألا يشعر الضيف أنه قد جاء “للطعام المجاني” فقط، بل إن مجيئه وتقبله للأكل شرف للمضيف
ولا وجود لمفهوم الخوف من الحسد عند الأمريكان، ومن الأدب أن يمدح الضيف بيت مضيفه وجمال أطفاله! وهذا شيء كنت أقوم به بحذر وحرج لا وجود له إلا في نفسي لنشأتي في مجتمع يرى أن “عضة أسد ولا نظرة حسد”. ولا يوجد أي قوانين خاصة بالزي في الجامعة ويرتدي من شاء ما شاء، والغريب أن بعض البارات (أو ربما أكثرها) تشترط في مرتاديها ألا يدخلوها بشورت مثلا أما في الجامعة فكل شيء مباح! بل لقد رأيت مسيرة للعراة في الجامعة بمناسبة (يوم الأرض) وعرفت لاحقا أن فتاة أعرفها كانت ممن شارك في تلك المسيرة، وحين سألتها على سبيل الفضول عن سبب مشاركتها قالتها إنها خجولة، وأنها أرادت أن تتخلص من ذلك الخجل وتزيد من ثقتها بنفسها، فوجدت أن هذه أفضل وسيلة!
اهتمام الناس بالصحة والرياضة والغذاء الصحي والنباتي شائع جدا. والبدانة شائعة كذلك، لكنها أكثر ما تكون في طبقات الفقراء. وعدد المشردين والفقراء الأمريكان كبير جدا وملحوظ بشكل مؤسف. تراه أكثر ما تراه في وسائل المواصلات العامة، وفي المدن الكبيرة حيث الشحاذين والمشردين والمختلين عقليا. وأساليب الشحاذة متنوعة، ولفت انتباهي أنك لو رفضت إعطاء الشحاذ نقودا فإنه يشكرك أيضا. يبدو لي هذا نوعا من الذكاء، فإنه لا يدري ربما تغير رأيك غدا مثلا! هناك شحاذون أمام المطاعم يسألون بشكل مباشر أو ناس يجلسون مع لافتات تقول كلاما مثل (أنا جندي سابق في الجيش وحصل لي كذا وكذا) ورأيت في شيكاجو امرأة محجبة مطأطأة الرأس مع لافتة تقول (قتل أهلي وتشردت بسبب الحرب في بلدي) خمنت أنها سورية فأشفقت عليها وأعطيتها دولارا، ولما حاولت الكلام معها بالعربية وسألتها من أين أنت، قالت بالإنجليزية إنها من المغرب! وأوقفني في شيكاجو كذلك رجل آسيوي يرتدي زي الرهبان، وسلم عليّ قائلا بانجليزية رديئة: بوذا يحبك .. بوذا .. محبة! وأعطاني بطاقة ملونة عليها صورة بوذا، وكانت حول يده مسبحة نقلها ليدي بابتسامة وهو يكرر: بوذا .. حب! فشكرته كثيرا على ذلك الود غير المتوقع، لكنه بعد ذلك سأني أن أتبرع لبوذا، فاعتذرت متحججا بعدم وجود نقود سائلة (كاش) معي، فأشار بما معناه أن معه ماكينة (إي تي إم ويستطيع أخذ النقود من كارت البنك لو كان معي!
وأكثر الفقراء من السود، وإن لم يكن الفقر حكرا عليهم، وحال التجمعات السكانية للسود مؤسف جدا. وكما عرفت من نقاش مع أصدقاء، فإن من أراد منهم النجاح، فلابد أن يخرج من هذه الاماكن، أما لو بقي فلا فرصة له. وأذكر أنني رأيت في مدينة (بالتيمور) ذات الأغلبية السوداء، والتي حدثت فيها اضطرابات مؤخرا، حوالي عشرة أطفال ينتظرون عند إحدى الإشارات ويقومون بمسح زجاج السيارات المتوقفة في الإشارة طلبا للمال!! وما لفت انتباهي هنا أن للفقر أثر غريب على الناس. الفقراء في كثير من الأحيان يبدو عليهم نوع من الخبل أو المشكلات النفسية. كثيرا ما رأيت سودا يكلمون أنفسهم في الشارع أو الحافلة أو يتكلمون بشكل غير متزن. وكثير منهم لا تفارق أذنه سماعة الموسيقى فتجده طول الوقت يعيش في عالم خاص به من الموسيقى العالية!
يقدر الناس الهوايات كثيرا ويقدسون الحياة وتشيع بينهم ثقافة السفر في العطلات. ومن أشد ما أعجبني حرص كبار السن على التمتع بحياتهم حتى آخر قطرة فيسافرون ويرقصون ويستمتعون حتى آخر نفس. وفي معظم البيوت، إن لم يكن كلها، يكون القبو مكانا لممارسة تلك الهوايات وتخزين النبيذ. زرت أسرة كان الزوج يقوم بأعمال النجارة في القبو، بينما تقوم الزوجة بلعب الطبول في غرفة مبطنة لعدم إزعاج الجيران. في أسرة أخرى وجدت صالة ألعاب رياضية مصغرة للزوج والزوجة ومكانا لعمل مصنوعات يدوية يقوم الزوج بصنعها على سبيل الهواية، كما كان يحتفظ في القبو بعدد من الأسلحة بعضها أثري جدا.
العلاقة بين المطلقين جيدة جدا. طبعا ليس هذا في كل الحالات، لكن الصداقة بين المطلقين (أو العلاقة الودية على الأقل) أمر عادي، ولا شيء عجيب في عبارات مثل: خرجت مع زوجي السابق وزوجته وأولادنا إلى منتزه كذا! ربما يرجع الأمر إلى أن الطلاق ليست له تلك الوصمة، بل هو شيء عادي متوقع الحدوث!
في ماين، كان الناس في منتهى الأدب. يبتسم الغرباء، ويفتحون الباب لمن يأتي خلفهم، ويتعاملون ببساطة. أكثر من مرة أوقفتني فتاة لتعبر عن إعجابها بشال مصري كنت أرتديه وقت الشتاء! على أن ذلك لا يمنع نوعا من الغرابة الاجتماعية. العلاقات أفقية لا رأسية. لم أشهد أي حادثة اضطهاد ديني، وما شهدته كان بعض مواقف مرجعها قلة الذوق لا العنصرية. في الواقع، فإن ما يسمى باللباقة السياسية، هي أكثر شيوعا بكثير، ومن آثارها مبالغة الناس في الخوف من التفوه بعبارات عنصرية أو جرح مشاعر أي من الأقليات. وأعني بالناس الرجل الأبيض على وجه التحديد، وكثيرا ما كان يحدث أن يحدثني أحدهم بعبارات مبالغة في التأدب والاعتذار والتأكيد على أنه لا يقصد أي إساءة، ليسأل في النهاية سؤالا عاديا! هذا الأدب المبالغ فيه يجعل إقامة حوار نزيه شيئا صعبا. ربما يكون هذا أحد أسباب شعبية (ترامب) أنه يقول كلاما لا يجرؤ معظم الناس على مناقشته دون خوف الوصم بالعنصرية أو الجهل. يطرح مواضيعا محظورة للنقاش العام. هذا التنفيس العام يشعر الناس بشيء من الراحة.
في الظروف العادية يتكلم الناس على أطراف أصابعهم في جو مشحون كأنما يمشون في حقل ألغام. أحيانا لا يستطيعون حتى أن يعبروا عن اندهاشهم من الثقافات المختلفة خوفا من الإساءة لأحدهم. حدثت مشكلة أثناء إقامتي في جامعة ماين حين قرر بعض الطلاب عمل اتحاد للطلاب البيض! وكانت حجتهم أن كل الناس ممثلون في اتحادات إلا هم (أنا مثلا كنت عضوا في اتحاد الطلاب المهندسين السود! وانضممت فيه مجاملة لأحد الأصدقاء الذي دعاني لذلك) وثارت ثائرة الكثيرين وكانت حجتهم: تحتاج الأقليات إلى نواد لتجميع أعضائها بدلا من ذوبانهم وتفرقهم أما الأغلبية فما حاجتها لذلك؟ تخيل مثلا لو أنك في مصر عملة جماعة للمسلمين! أضحكني ذلك التشبيه!
على أن أكثر ما يجعل الحياة مثيرة في أمريكا هو هذه التعددية المذهلة، حتى في أكثر الأماكن نأيا. ليس من المستغرب أن تجد بشرا من كل الجنسيات والديانات والأفكار والاتجاهات. يجبر هذا التنوع معظم الناس على إعادة التفكير في المسلمات والنقد الذاتي ويجعل الحياة أثرى وأمتع كثيرا. في النهاية، لهذا خلق الله الناس مختلفين وجعلهم شعوبا وقبائل .. ليتعارفوا!
أدب رحلات من طراز رفيع لا يقل بل يزيد عن ما قرأت لمصطفى محمود وانيس منصور كاتب من طراز رفيع يأسر القارئ بنظره نقديه محايدة
يحي تحياتي والي الامام مصر تحتاج كثيرا مثقفين اكثر من ثوار
جميل يا يحي ، مؤخراً انت الوحيد اللي
ممكن أقرأله حاجة طويلة
أتمنى أقابلك يوما ما.