منذ أكثر من ثلاثين عاما حذر “نيل بوستمان” في أشهر كتبه من اختفاء الطفولة!
قال إن الطفولة ظاهرة حديثة لم تكن موجودة في العصور الوسطى، فالاحتفال بعيد ميلاد الأطفال مثلا تقليد لا يتعدى عمره قرنين من الزمان، وإن ما يعطي الطفولة معناها هو فكرة وجود أسرار خاصة بالبالغين (متعلقة بالجنس والمرض والموت) هذه الأسرار ينبغي حماية الأطفال من التعرض لها قبل الأوان. وجود الأسرار ينشأ عن مفهوم الخجل، ودون الخجل لا طفولة ولا حضارة!
في القرون الوسطى كانت الثقافة شفهية. لم تكن هناك أسرار لأن كل الخبرات والمعلومات كانت تنقل بالمشافهة واستعمال الكلام المنطوق. ما إن يتعلم الطفل الكلام، حتى يكون كل شيء متاح أمامه. بالتالي لم تكن الطفولة موجودة بمعناها الحالي. وكان من الشائع جدا ممارسة الجنس مع الأطفال أو قتلهم أو ممارسة العنف ضدهم ولم يكن الأمر يلقى استهجانا كبيرا. ومن الشائع أن نجد في الرسومات القديمة تواجدا للأطفال في سياقات شديدة الفحش دون أي حرج، ذلك أنه كان ينظر للأطفال حينها على أنهم بالغون صغار الحجم.
بدأت فكرة الأسرار مع اختراع الطباعة وانتشار القراءة. الآن صار هناك محتوى مكتوب لا يمكن الوصول إليه دون تعلم القراءة. لم يعد تعلم الكلام كافيا لاكتشاف كل أسرار المجتمع. اختراع القراءة هو الذي ينهي الطفولة لأن القراءة تمكن الإنسان من الدخول في عالم من المجردات، وبالتالي تضع حدا بين القارئ والأمي. والقراءة تحتاج تدريسا، ومن التدريس إنما نشأت فكرة أن الأطفال يحتاجون إلى فترة من الرعاية والاهتمام، وبسببها ظهر الفرق الواضح بين الأطفال والبالغين. فالبالغ هو الشخص الذي يعرف معلومات غير مسموح للطفل معرفتها لعدم ملائمتها له ويتحول الطفل إلى شخص بالغ ما إن يتقن القراءة ويمتلك مفتاح فهم العالم المكتوب، فيدخل عالم الكبار تدريجيا بالكشف عن هذه المعلومات المحجوبة عن الموت والعلاقات الاجتماعية وانتهاء بالتعليم الجنسي. وحتى يصل إلى تلك المرحلة يحتاج إلى رعاية ومراقبة وهو الأمر الذي لم يكن موجودا قبل ذلك.
لكنّ “بوستمان” لاحظ أن التلفاز يقضي على الطفولة لأنه يفشي كل أسرار البالغين. كل الأشياء التي كان من المفترض للطفل أن يتعلمها تدريجيا أصبحت متاحة بشكل علني دون تمييز لأن الولوج لعالم التلفاز لا يحتاج لأي متطلبات ولا تدريب ولا يمكن فيه فصل الفئة العمرية للمشاهدين. لقد حول التلفاز كل التابوهات المجتمعية لأشياء استهلاكية لأنه يبث طوال اليوم ويحتاج موادا لعرضها طول الوقت لجذب أكبر عدد من المشاهدين أطول مدة من الوقت. هذه هي طبيعة التلفاز!
باختفاء الأسرار اختفى الحد الفاصل بين البالغين والأطفال. ذلك أن من خصائص التكوين الاجتماعي أن أي جماعة يتم تعريفها بشكل كبير عن طريق المعلومات الحصرية التي يحوزها أعضاء هذه المجموعة، لو انتفت هذه الحصرية فإنه لا معنى لتمييز أعضاء هذه المجموعة عن غيرهم. المحامون مثلا هم الجماعة من الناس المختصة بمعرفة القانون، لو أن كل الناس صاروا يعرفون القانون فلا داعي إذن لتمييز مجموعة منهم بأنهم محامون. وبالمثل لو علم الأطفال ما يعلمه البالغون فلا حاجة للتمييز بينهم. إن اختفاء هذه الحصرية للأسرار يقضي على الطفولة بقدر ما يقضي على جزء من النضج. إذا لم يعد هناك غموض ولا أسرار فما الذي يفرق البالغين عن الأطفال إذن؟ الأطفال في هذه الحالة ليسوا أكثر من بالغين صغار الحجم، وهي نفس حالتهم في العصور الوسطى!
من مظاهر اختفاء الطفولة اختفائها من التلفاز ذاته، ولا يعني ذلك اختفاء الأطفال، لكن اختفائهم كطبقة مختلفة عن البالغين، فهم يصورون كبالغين صغار الحجم لا يتميزون عنهم في اللغة ولا الملبس ولا الأفكار ولا الرؤية للعالم. (فكر في شخصيات الأطفال الذين يظهرون في الأفلام مثلا). وكذلك اختفاء ملابس الأطفال وألعابهم. من صفات ألعاب الأطفال أنها ألعاب بغرض المتعة البحتة، ولا تتطلب أدوات ولا حكاما ولا متفرجين، لكن كل هذا قد انتهى ليحل محله ألعاب ومسابقات على نفس النمط التنافسي لألعاب للكبار ومسابقاتهم. اللعب بالنسبة للكبار أمر جلل لا يؤدي لمجرد التسلية بل لهدف خارجي مثل الشهرة أو المال أو المجد القومي. ألعاب الكبار تنافسية بكل ما فيها من توتر وتدريب مستمر وتتطلب حكاما وأدوات ومتفرجين وتلعب بغرض الشهرة لا المتعة. كل هذا الظواهر متمثلة في برنامج “ذا فويس” حيث نجد أطفالا يرتدون ملابس الكبار، ويغنون عن العشق والغرام ولوعة الهجر في إطار تنافسي تحكيمي أمام الجماهير ويستخدمون لغة الكبار وطريقتهم في الكلام. الانطباع الذي تخرج به عند مشاهدتهم أن هؤلاء بالغون صغار الحجم!
إن من أكبر تجليات اختفاء الطفولة دخول الأطفال أنفسهم عالم الجريمة التي زادت بمعدلات خرافية (ظاهرة الأطفال المتحرشين بمصر على سبيل المثال) حيث تضاعفت معدلات جرائم الصغار الخطيرة آلاف المرات. حين ينفتح عالم الكبار أمام الصغار يكون هذا منطقي الحدوث. ولا يتوقف الأمر على ارتكاب الصغار للجرائم فقط، بل إن تعرض الصغار أنفسهم لهذه الجرائم قد تضاعف بشكل مهول. يحدث هذا لا بسبب ضعف الصغار فقط، وإنما لأنه في عالم تزول فيه الحدود بين الأطفال والكبار تختلف نظرة الكبار للأطفال، من اعتبارهم أطفالا إلى اعتبارهم مجرد كبار صغار الحجم.إن اختفاء الطفولة في جوهره ارتداد بالحضارة إلى عالم القرون الوسطى!
عبرت بإسلوبك الشيق عن إحساسي بعد حضوري حفله فويس كدز في البحرين بناء علي طلب أولادي