تشغلني جدًا مسألة اللغة. وأول ما يلفت انتباهي في الإنسان قاموسه اللغوي والأسلوب الذي يعبر به عن نفسه وما فيه من ثراء وأصالة وإبداع.
تلفت الظواهر اللغوية (مثل المعجم الشخصي وكثافته التعبيرية وانتقاء المتحدث من المدى المتاح من المفردات، وطريقة نطق الكلمات ومخارج الحروف والنبر إلخ) انتباهي الشديد،وأفكر كثيرًا فيما تدل عليه هذه الظواهر من حقائق اجتماعية.
وأضرب لكم مثلاً حدث معي كثيرًا:
من المبادئ الصارمة التي ألزم بها نفسي أنني لا أقحم في كلامي أية كلمة إنجليزية لا داعي لها(وقولي “لا داعي لها” قيد مهم). والحق أنني أحتقر هذا الأسلوب ويثير حفيظتي.
وأنتم تعلمون أن الطبقات العليا والوسطى العليا والطامحين إلى الترقي الاجتماعي، صار هذاالأسلوب علامتهم اللغوية المميزة. حتى في المستويات الاجتماعية الأقل شاع هذا النزوع إلى التفرنج، وتجد هذا جليًا فيما يسمى ب(لغة الماميز): الأورانج والدريس والباص والبينك والشوز والأكتيفيتي بوك واللانش بوكس والسابلايز وكل ما له علاقة بالتعليم من مصطلحات مزعجة.
وتجد هذا عند الطبقات الأعلى في ظاهرة التفاخر بضعف مستوى الأبناء في العربية (إلى حد قبول الآباء والأمهات العرب بواقع يتحدثون فيه مع أبنائهم بالإنجليزية في منازلهم وهذا والله من أعجب مارأيت!!!) والتباكي الكاذب على هذا الأمر، الذي هو في حقيقته تفاخر، فيقول أحدهم: للأسف ولادي مستواهم ضعيف جدًا في العربي، بس بحاول اجيب لهم شيخ يحفظهم قرآن (وهو أسف كاذب لأنك لن تجد أبدًا إنسانًا يقول: للأسف ابني غبي جدًا في الحساب، وبنتي قبيحة بس بنحاول معاهم. لايذكر الإنسان عيوبًا حقيقية، بل هذا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ** بهن فلول من قراع الكتائب).
أما انتشار التعبيرات المدبلجة القبيحة فقد عمت به البلوى مثل “عمره ما فشل يضحكني” و”صنع يومي”. و”مش قادر اكون أكثر فخرًا” و”كنت اللي هوا عارف هو جاي منين” (بمعنى أنا أفهم قصدك أو أتفهم موقفك) بل قد قرأت والله منشورًا قال فيه صاحبه: “ربنا له طرق غريبة في إنه يرزقنا”!!
ناهيك بالظواهر القبيحة المنفرة مثل تعريب كلمات إنجليزية لها بدائل عربية مثل قولهم: “هكون ريدي ونسابورتو وهبعت الفاينال ديسيجن عشان تتشوز” إلخ. بل ثمة ظاهرة أقبح وهي شيوع التناوب التام بين اللغات جملة بالعربية وجملة بالإنجليزية من دون أي داعي، وظواهر أخرى مثل لافتات المحلات والمشروعات السكنية والمحلات الصغيرة والمطاعم حتى في أكثر الأماكن محلية. أو كتابة الكلمات العربية بحروف إنجليزية.
أحياء كاملة تمشي فيها فلا تجد شيئًا واحدًا يشبهك ولا تجد حرفًا عربيًا واحدًا! ولم يبق إلا تسمية المساجد بالإنجليزية. شعور ساحق بالدونية واحتقار النفس.
كل هذه الظواهر معروفة وتدرس في علم اللغة الاجتماعي لأن لها دلالات نفسية واجتماعية.
والقصد أن كل هذا يدلك على نظرة الناس للغتهم ولأنفسهم. وكثيرًا ما كنت ألاحظ ازدراءً خفيًا لي حين يلاحظ المستمع أسلوبي في الكلام الذي يخلو من الإنجليزية فيخمن أن في هذا دلالة على نزول مستواي التعليمي والاجتماعي والمادي. ثم يحدث هذا الأمر دائمًا في كل مرة أذكر فيها عرضًا أنني تلقيت تعليمي العالي في الولايات المتحدة: يرتبك نظيري وتهتز ثقته في نفسه وفي قدرته على الحكم على الأشخاص ويعيد تقييمي والنظر إليّ في ضوء هذه المعلومة الجديدة التي ترفع من قدري في عينيه (يبدو كل هذا في نظرات العيون التي يحاول إخفاءها سريعًا).
وحين يعود بطل رواية الجهل لميلان كونديرا إلى بلده من منفاه يلاحظ تغير طريقة نطق أهل بلده واكتسابها أصواتًا أنفية تزعجه. تذكرت هذه الملاحظة لأنني صرت ألاحظ شيوع الفقر اللغوي على المستوى التعبيري والفَرْنجة حتى في المستوى الصوتي، مثل استخدام طريقة الأمريكان في الكلام والتساؤل بتغيير النبر مثلاً، والتعبير الصوتي عن السخرية، فضلاً عن التعبيرات السخيفة المترجمة حرفيًا، وكثرة المقاطع الصوتية الدالة على فقر لغوي وضعف شديد في القدرة التعبيرية أقرب إلى العجمة.
يشيع في اللغة الحالية نوع من التكلف مع الفقر الشديد في التعبيرات واستيراد تعبيرات تخلو من الأصالة، وقلة الإبداع على المستوى الفردي (فالبصمة اللغوية الفردية باهتة للغاية) والإحالات الكسولة لميمز وفيديوهات وما شابه، مما يجعل الجملة مبتورة وتحتاج جهدًا لإدراك مقصودها.
وفي الأجيال الأصغر نجد ضعفًا شديدًا في تركيب جمل كاملة متماسكة لها بداية ونهاية، واستبدال ذلك بتعبيرات صوتية مدبلجة. وضعف الصلة بالتراث ولا أقصد هنا الاستشهاد بتعبيرات فصيحة، بل حتى الإحالة للأمثال والتعبيرات العامية الغنية أمر نادر في كلام الأجيال الأصغر سنا (العلاقة هنا طردية) مما يوحي بانقطاع الصلة اللغوية والثقافية بين جيل الآباء والأبناء. فالأجيال الأصغر لم تأخذ لغتها وأساليبها التعبيرية من الآباء والأمهات إلا قليلاً.
ولاحظت كذلك انخفاض نسبة الكلام الحلو اللين الذي كان شائعًا بين الأجيال الأكبر سنًا في البيوت والمتاجر وغيرها، وانتشار نوع من الخراقة الاجتماعية وظاهرة “العجز عن الرد” حتى في أبسط المواقف.
ونجد كذلك ضعفًا شديدًا في القدرة على الحكاية، (ما يسمى بحسن المحاضرة وهذا أمر نجده في الأجيال الأكبر سنًا، أي جيل الجدات والجدود) فتجد الشخص قادرًا على أن يحكي حكاية ممتعة من أولها إلى آخرها، في مقابل ضعف هذا الأمر حاليًا (بداية من استحضار الحكاية المناسبة للسياق، والقدرة على سردها بأسلوب مقبول) بل نجد تعثرًا عند حكاية أبسط المواقف وتشوشًا في التعبير (وتلاحظ هذا حتى في شكاوى الناس المكتوبة في صفحات الشكاوى على فيس بوك: هذا إنسان متعلم لا يستطيع الإبانة عن نفسه بطريقة مكتوبة واضحة حتى أنك لا تفهم ما هي مشكلته أصلا) وتجد مصداق ذلك في انتشار اللزمات السخيفة مثل: فاهمني؟ انت فاهم حاجة؟ وزيادة حشو الكلام وضعف القدرة التعبيرية عمومًا.
ولا عجب أن يكون كل هذا مصحوبًا بانتشار سوء الفهم الشديد لمقاطع واضحة وعجز أعداد كبيرة من الناس عن إدراك الموضوع الأساسي للقطعة المكتوبة، وما يترتب على ذلك من العجز عن التحاور والمناقشة وتبادل الآراء، لأن مناقشة الكلام فرع عن فهمه. (ناهيك بالجهل التام بأبسط القواعد النحوية لدى كثير من المثقفين والكتاب والمشايخ والمتدينين وأحيانا حتى المترجمين والله! لكن هذا موضوع آخر).
ذكرت كل هذا لأنني شاهدت حلقة من مسلسل “عفاريت السيالة” فانتعشت من الثراء اللغوي والأصالة والحيوية في الحوارات التي كتبها أسامة أنور عكاشة، ثم تابعت حلقة من مسلسل”الفتوة”، الذي تدور أحداثه في حارة مصرية قديمة فتعجبت من ركاكة الحوار. هذا مع أن القصة بدت لي شيقة، والتصوير ممتاز والإضاءة جذابة، لكن الحوار أفقر من الحوارات العادية في أي بيت مصري معاصر، فما بالنا بحارة مصرية منذ ١٥٠ سنة أو أكثر؟
وإن كنت في شك من قولي، فشاهد مقطعًا من أي فيلم أو مسلسل مصري قديم وقارنه بنظيره من الأعمال الحديثة وستجد هذا البون الشاسع في الثراء على جميع المستويات حتى مستوى التعبيرات الصوتية وتعبيرات الوجه. حتى الأعمال الفنية المعاصرة التي تحاول الحديث عن المصريين”الشعبيين” تكاد أن تكون من باب الأعمال الاستشراقية؛ فتصوير الصعيد والعشوائيات والمناطق الشعبية والمتدينين لا علاقة له بالواقع، بل هو الواقع كما يتخيله كاتب العمل الذي لم يجاوز عتبة الكومباند، فتجد التكلف والمبالغات والغرابة.
ليس الحديث عن ضرورة إتقان اللغة الأم وتعلم حسن التعبير بها من باب الوعظ، بل هي مهارة لاغنى عنها للحياة. لأن الحياة في جوهرها ما هي إلا مجموعة من المحاورات والأحاديث. فعلاقاتنا المهنية والأسرية والعاطفية والفكرية نجريها بواسطة الكلمات والتعبيرات. وثمة علاقة بين جودة حياة الإنسان ورضاه العام عن حياته (بل ارتفاع مستواه المادي كذلك)، وقدرته على التعبير والإبانة عن نفسه.
هذا الأمر ليس رفاهية، وليس في كلامي دعوة لنبذ الإنجليزية أو غيرها من اللغات، لكن من الضروري لكل إنسان أن يضع من أهدافه أن يحسن من قدرته على التعبير والإبانة عما في نفسه.
احرص على أن تقرأ كتبًا جيدة تحسن من قدرتك على التفكير والتعبير عن أفكارك، واحرص على أن تكتب (وبالله عليك لا تستخدم تشات جي بي تي في كتابة المنشورات لئلا يتآكل ما تبقى من قدرتك على التعبير والتفكير المنطقي وترتيب الأفكار). احرص على أن تجلس مع أصحابك وأن تستحضر في ذهنك فكرة تريد الإبانة عنها، وأن تحرص على التعبير عنها بأسلوب جيد واضح ينقل المعاني. افعل ذلك وسترى تحسن حياتك بإذن الله.