يقول ثيودور رايك، عالم النفس الأمريكي، إنّ الحب ينشأ في الأساس في تربة من عدم الرضا عن الذات والشك في النفس. إنّ حالة الإنسان قبل الوقوع في الغرام تشبه الأزمة الداخلية الناتجة من إشكالية تقويم الذات حين يتأمل الإنسان حاله، ويقارن ذلك بالأنا المثالي الذي كان يطمح في الوصول إليه، فلا يرضيه ما يرى. النفس تطمح والأسباب عاجزة ** والنفس تهلك بين العجز والطمع.
هكذا إذن يقع الإنسان في الحب مدفوعًا بالرغبة في الفرار من الشعور بالنقص والقصور. “الحب فرار من الذات. ترياق للنفور منها وفي بعض الأحيان ترياق حتى لكره الذات الذي يشعر به المرء”.
يرى رايك أنّ الحب لا يكون ممكنًا إلا حين تعزو إلى شخص آخر قيمة أسمى من القيمة التي تعزوها إلى ذاتك وحين تراه أو تراها من نواح محددة على الأقل شخصية متفوقة عليك. تشغل الحبيبة مثال الأنا المنشود باعتبارها التحقق لما كنا نفقده في ذواتنا. تختفي الرغبة القديمة في رقي الذات بعد أن تحققت في الشخص المحبوب.
تدور حبكة رواية “عقدة الأفاعي” حول رجل مسن يقترب من الموت، يكتب رسالة إلى زوجته يعبر فيها عن كراهيته البالغة لها ولأولاده وأحفاده وتخطيطه لكشف مؤامراتهم عليه ومحاولاته لحرمانهم من الميراث بشتى الحيل، ويشرح فيها أسباب كراهيته، لكن حديثه عن الكراهية ينقلب، دون قصد منه، حديثًا عن الحب.
يعترف البطل بشخصيته البغيضة ويعزو قتامة شخصيته لظروف نشأته الأولى وطفولته مفرطة الجد وفتوته المضناة بالعمل. كان شخصًا مكروهًا وقد جعله هذا الشعور شخصًا كريهًا في نبوءة تحقق ذاتها، فأمضى حياته وحيدًا لا يألف الناس ولا يألفونه. وحين يذكر شبابه، لا يسعه إلا الأسف على ضياعه بلا جدوى فيقول: “ويؤلمني أن كنت من ضآلة الفتنة بحيث لم يفدني شبابي في شيء”؛ “لقد كنت من أولئك الناس الذين يقال إنهم بلا شباب: فتى عبوسًا ما به نضرة”. ما نفع الشباب إن لم يكن الإنسان محبوبًا؟
—-
يمنح الحب المحبين شعورًا سحريًا بالانعتاق، إذ يجد الهارب من نفسه ملاذًا في عيون حبيبه ويلتمس العزاء من حقيقة كونه محبوبًا مرئيًا وموضوعًا لمشاعر طيبة.
لم ينس بطل الرواية هذه اللحظة السحرية التي أحس فيها بأنه موضع حب: “وكان تاريخًا هامًا في حياتي ذلك المساء الذي قلت لي فيه: شيء مدهش أن يكون لغلام مثل هذه الأهداب الطويلة”. يكتشف بطل الرواية مذهولاً أنه قادر على إثارة مشاعر الحب في إنسان آخر “ولما كنتِ أحيانًا تختلسين النظر إليّ، فما تزال ذكرى هذه الصلوات مرتبطة لدي بهذا الاكتشاف الرائع الذي كنت أنعم به، وهو قدرتي على إثارة اهتمام الآخرين، على إرضائهم، على استجلاب عاطفتهم” و”لم يكن لعواطفي الخاصة ظل من الشأن لدي، لأن كل اهتمامي كان منصرفًا إلى ثقتي بحبك أنت لي. كنت أعكس نفسي في مرآة كائن آخر، ولم يكن في صورتي الجديدة هذه شيء من الكراهية”.
يحدث هذا في كل علاقات المحبة: يرى الإنسان نفسه بعين حبيبه فتتبدد مخاوفه وقلقه. إذ يكون حصوله على الحب بمثابة شهادة على جدارته بالحب وغفران ذنوبه وخطاياه. يذكرنا هذا بمقولة شارلوت كورديه عندما طرقت باب جان بول مارا قاصدة اغتياله، ففتحت لها الباب زوجته. لم تكن كورديه تعلم بزواج مارا وفاجأها ذلك فقالت:
“Mon Dieu, sa femme on l’aime!”
“يا إلهي إنّ له زوجة.. شخص ما يحبه!”.
—–
ولكن ها هنا تكمن خطورة الحب. صحيح أنّ الحب معناه التسامح مع نقائصنا، لكن هذه المشاعر تظل كامنة تحت السطح، ولذا فما أسهل أن يضيع الحب بل وأن يتحول إلى كراهية لأنّ الإنسان إذ يفقد حبه يعود إلى حال أسوأ وتتأكد شكوكه السابقة من أنه لا يصلح لأن يكون محبوبًا. يرى ثيودور رايك أنّ “شعور المرء بكونه غير محبوب وغير مطلوب مرتبط بالخوف بل بالخوف من الموت في بعض الأحيان. فالوضعية التي يتضح فيها لشخص ما أنه ليس محبوبا قط تولد انفعالا مشابها لسكرة الموت أو ربما لهلع طفل هجرته أمه فجأة”. فالحب هو الدرع الواقي للإنسان ضد هذا القلق، وتجريد الإنسان من هذا الإحساس “يماثل إلقاءه في الظلمة الحالكة للنفور من الذات”. وهذا ما وقع لبطل “عقدة الأفاعي”.
كلمات نطقتها زوجته بلا احتراس عن علاقتها السابقة نسفت شعوره بالمحبة وألقت به في مهاوي اليأس والقنوط وملأت صدره حقدًا ما زال ينمو حتى سمم حياته. “ويأخذني الفزع فأقول لنفسي: لقد كان كل هذا خدعة. كذبتني وما أنقذتني: وكيف رجوت أن تحبني فتاة؟ إني امرؤ لا يحب!”. و”نهضت في هدوء وذهبت حافي القدمين حتى المرآة فتأملت وجهي كأنما انقلبت شخصًا آخر، أو كأنما عدت إلى شخصي القديم، إلى الرجل الذي لم يحَب والذي لم يتألم من أجله في العالم مخلوق”.
—-
يقول إريك فروم إنّ كل ما يفعله الإنسان إنما يفعله لكسر وحدته ولأن يكون منظورًا من عيون تحبه. ويقول كونديرا إنّ كل الناس بحاجة إلى عيون تراقبهم، وثمة صنف من البشر لا يطيقون الحياة إلا في كنف عيون أحبائهم، وما إن تغمض عينا الحبيب حتى تغرق القاعة في ظلام دامس.
أصبح بطل الرواية محاميًا شهيرا تلهج بذكره الألسنة، لكنه كان يشعر بالأسى لانصراف زوجته عنه ولا مبالاتها به: “وأنت وحدك لم تشعري بالصدى العالمي الذي كان لمرافعتي” “ولو مررتُ حينذاك بامرأة أحبتني لما وقف صعودي عند حد، ولكن المرء لا يستطيع وحده الاحتفاظ بإيمانه بنفسه ونحن أبدًا في حاجة إلى شاهد على قوتها، شاهد يعد لنا الضربات الموفقة ويضع لنا درجات النجاح ثم يتوجنا يوم الظفر”.
هذا الشعور بغياب الحب وشعوره بالإهمال ترك في نفسه جرحًا غائرًا وسمم حياته لعشرات السنين. لكنّ هذه الرسالة التي كتبها بلغة المبغض الحقود تكشف عن أعمق رغباته في الحصول على الحب، فيقول في موضع من رسالته: “ورعشت أملا (وهذا قول غريب ما دام الحديث عن عواطف طواها الزمن) أجل أملا في أني كنت محبوبًا قبل أربعين سنة على غير علم مني، ولكن لا، لم أصدق ذلك”. إنّ رغبته في التواصل وكسر طوق وحدته لم تخب رغم مرور كل هذه السنوات، فيقول: “لم لا تكلمينني؟ لم لم تكلميني قط فعسى لفظة منك تصدع قلبي؟ هذه الليلة يبدو لي أن الفرصة لم تفت بعد لكي نبدأ حياتنا من جديد. ترى أيحسن بي أن أسبق موتي وأسلمك هذه الصفحات؟ ثم أستحلفك باسم ربك أن تقرئيها حتى النهاية؟ ثم أرقب ساعة تنتهي، فأراك تدخلين غرفتي تغسل الدموع وجهك وأفتح لك ذراعي أسألك المغفرة، ثم يركع أحدنا على قدمي الآخر”.
—
من الأحاديث الموضوعة المخالفة للعقيدة قولهم: “كنت كنزًا مخفيًا، فأردت أن أُعرف فخلقت الخلق فبه عرفوني”.
هذا الكلام كاذب في ميزان العقيدة، فالغرض عود نفع على الذات واستكمال نقص وهو دليل على الحاجة التي هي دليل الإمكان، ولهذا فالله منزه عن الغرض، لأنّ الله في اعتقادنا ليس موجودًا فحسب، وإنما واجب الوجود، أي أن طبيعة وجوده تخالف الممكنات. (إلهنا واجب لولاه ما انقطعت ** آحاد سلسلة حفت بإمكان).
لكننا إذا نظرنا إلى هذا الحديث الكاذب من منظور الأدب، لوجدناه كاشفًا عن نفسية قائله. إذ تنطبق هذه الفكرة الرومانسية على الإنسان أكثر ما تنطبق، فهي نوع من الإسقاط. يشعر الإنسان بأنه كنز مخبوء يحب أن يُعرف.
لقد كانت هذه الرسالة التي ظاهرها الكراهية محاولة يائسة لجذب اهتمام المرأة التي أحبها وكسر جدار الصمت الحقود القائم بينهما، محاولة منه لتعريفها بنفسه: “إنك كنت تجهلينني فلم تعرفي من أنا فهل جعلتني الصفحات التي قرأتِها أقل في عينيك بشاعة؟”.
لكن ليزا، زوجته، تموت قبل أن تقرأ هذه الرسائل. وكان في هذا أكبر خسارة له. “لقد ماتت دون أن تعرفني، دون أن تعرف أني لم أكن غولاً فحسب ولا جلادًا، بل كان في ذاتي امرؤ آخر”.
قرأت الرواية بناءا على اقتراحك منذ اسبوع جميل هذا التحليل للرواية لكن ولنفترض انك قابلت بطل الرواية يا ترى ما الحل لكي تحل عقدته ؟
هذا وصفٌ بالغ الرّقة شديدُ الثّبات بالذّهن عظيمُ الأثر في القلب، لم أقرأ الرّواية يومًا ولم أسمع بها، لكنّ مُراجعةً كهذه تُحتّم على المرء أن يفكّر -على الأقل- في الاطّلاع على ما استحقّ منكم هذا الكَلِم البارع
كلام جميل