كان الدكتور فيكتور كلمبرر أستاذَا للأدب الفرنسي بألمانيا وقت صعود هتلر للسلطة. وكما يحدث لكثير من الناس، فقد حاول عزل نفسه عن الحاضر بشكل تام. هرب كلمبرر من هذه الأجواء الكئيبة ودفن نفسه في عمله، فاستمر في القراءة والبحث وإلقاء المحاضرات وتجاهل تناقص عدد طلابه.
لكنّ هذا الاعتزال لم يمنع الأمور من أن تسوء، فاستمرت أحواله في الانحدار إلى أن انهار عالمه تمامًا، وانتهى به المطاف في واحد من البيوت التي خصصها النازيون لليهود، ولم يحمه من معسكرات الاعتقال إلا رفض زوجته الآرية الانفصال عنه.
اثنا عشر عامًا عاشها الدكتور كلمبرر تحت سيطرة الرايخ الثالث رأى فيها انحدار المجتمع ناحية الجنون. ولأنه اشتغل طول عمره بالأدب واللغة فقد كان أبرز ما لاحظه في عالمه الجديد تغير استعمال اللغة، فأخذ على عاتقه جمع الملحوظات حول هذه اللغة الجديدة. قرر كلمبرر أن يلاحظ ويدرس ويحفظ كل شيء، لأنَّ كل شيء سوف يبدو مختلفًا في غضون ١٠ سنوات. يقول كلمبرر إنَّ هذا النشاط هو ما أبقاه حيًا خلال تلك السنوات العصيبة.
لغة الهوس الجماعي
كان أول ما أفزعه أن الجميع أصبحوا يتكلمون لغة واحدة: مؤيدين ومعارضين، مستفيدين وضحايا. انصاع الجميع للنماذج والأنماط اللغوية ذاتها. فكيف حدث هذا؟ تخللت النازية عظام الناس لا من خلال الخطب أو المقالات أو الملصقات والأعلام وإنما من خلال كلمات مفردة وتعبيرات وتركيبات لغوية بعينها فُرضت عليهم بملايين التكرارات. سممت هذه الكلمات لغة الناس، وكان لها أثر الزرنيخ على المدى الطويل: جرعات بسيطة غير ملحوظة تبدو بلا تأثير ثم يبدأ سريان مفعول السم. فلو أن شخصًا استبدل كلمة “متعصب” بكلمة “بطولي” لوقت طويل بما يكفي سوف ينتهي به المطاف وقد آمن بأن المتعصب بطل بالفعل، وأنه لا يمكن للمرء أن يكون بطلاً من دون تعصب. لم يخترع الرايخ الثالث كلمة “متعصب” وإنما غير قيمتها واستخدمها في يوم واحد بمعدلات فاقت استخدامها في أي عصر آخر في سنوات. هذه خلاصة اللعبة النازية: تغيير قيمة الكلمات ومعدل استخدامها.
يقول كلمبرر إن اللغة النازية فقيرة، فهي لغة زمرة أصبحت لغة الشعب، وهذا سر فقرها لأن لغة الجماعة المحدودة سوف تحيط بموضوعات ذات صلة بتماسك هذه الجماعة فحسب، لا بكل جوانب الحياة. سيطرت هذه اللغة لتلك الجماعة الصغيرة على جميع الأراضي المتحدثة بالألمانية لأنها لم تفرق بين اللغة المنطوقة والمكتوبة، فلم يكن ثمة فارق بين الخطب ومكاتيب وزارة الدعاية وهذا ما يفسر سهولة تحويل هذه المكاتيب إلى خطب. كانت هذه اللغة الفقيرة بمثابة قيد يفرضه الإنسان على نفسه إذ تعبر عن جانب واحد من جوانب التجربة الإنسانية. فاللغة الإنسانية تشبع احتياجات الإنسان فتخدم العقل والعاطفة، والتواصل والمحادثة والمناجاة والصلاة والرجاء والأمر والاستدعاء، أما لغة الرايخ الثالث فلم يكن لها سوى غرض واحد: الاستدعاء.
ألغت اللغة النازية الفارق بين المجال العام والمجال الخاص كما ألغت الفارق بين اللغة المنطوقة والمكتوبة. فكل شيء شفهي وكل شيء عام.. كان الهدف الأوحد للغة الرايخ الثالث نزع فردانية الأشخاص. كانت لغة “للهوس الجماعي”.
دور الكليشيهات
لكن لماذا خضع الناس للغة النازية بهذه السهولة؟ يقول كلمبرر إنّ أوساط الناس يتأقلمون مع بيئتهم بمنتهى السهولة. يتذكر أنه سمع مرة شابًا لطيفًا يتحدث عن (حرب نظيفة ومبهجة)! كيف تكون الحرب نظيفة ومبهجة؟ كان هذا التعبير أحد الكليشيهات التي يقبلها الناس من دون تفكير، لكن هذه الكليشيهات سرعان ما تسيطر على أصحابها.. فالكليشيه لغة تفكر نيابة عنك.
كلمات جديدة ومعان جديدة
بدأ كلمبرر يلاحظ ظهور كلمات جديدة واكتساب الكلمات القديمة لمعان خاصة أو تكوين متصاحبات لغوية جديدة سرعان ما تتجمد لتصبح صورًا نمطية.
أول كلمة ميزها كانت تعبير (حملة تأديبية). سمع هذا التعبير من ولد صغير من أعضاء الحزب رباه وهو صغير.. لما سمعها منه أغلق الهاتف في وجهه وأنهى العلاقة به. هذه الرياضة الترفيهية التي كان أعضاء الحزب يطلقون عليها اسم الحملات التأديبية استبدلت بالعمليات الشرطية الروتينية الرسمية ثم خفت بريقها عندما تحولت إلى حرب عالمية لتأديب جميع الشعوب المبغوضة.. وهكذا تتلاشى الكلمات وتتحور معانيها!
وأصبحت كلمة “الشعب” في اللغتين المكتوبة والمنطوقة بمثابة الملح في الطعام.. كل الأشياء لا بد من تمليحها بكلمة (الشعب): رفيق الشعب، ومهرجان الشعب، وواحد من الشعب، وغريب عن الشعب، وخارج من أوساط الشعب إلخ.
وانضمت لقائمة الكلمات المفضلة للرايخ الثالث كلمة (تاريخية) و(فريد من نوعه) و(خالد)، فكل الأيام تاريخية وكل الأحداث فريدة من نوعها وخالدة. أسرفت الدعاية النازية في استخدام هذه الكلمات حتى فقدت حمولتها الدلالية.
كذلك تلاعب النازيون بمعاني الكلمات. من ذلك ما حكاه عن (تبرعات معونة الشتاء) التي خصمت من راتبه قهرًا. كيف يكون التبرع إجباريًا؟ هكذا سمى النازيون الضريبة تبرعًا. ولو تجاوزنا هذه الصفة الكاذبة، فإنّ استخدام اسم (معونة الشتاء) بحد ذاته يعد إجبارًا مستترًا يبتز المشاعر.
وأطلق النازيون اسم (النشاط الرياضي) على الأنشطة العسكرية، لأنّ التجنيد الإجباري الكلي كان ممنوعًا على ألمانيا بموجب معاهدة فرساي.
وظهرت تعبيرات جديدة لم يكن الناس يستخدمونها منذ سنوات قليلة، مثل تعبير: “واجبك بوصفك ألمانيًا”، وتعبير (نشر الرعب) وهي التهمة التي غالبًا ما كانت تلصق باليهود بمعنى نشر الأخبار الكاذبة و(عرض النفس) بمعنى تسليم الواحد نفسه للجستابو، وعبارات أخرى خاصة بمعاملة اليهود. وكانت كتابة جملة “اليهودي فلان كان يعيش هنا” على لافتة أحد البيوت علامة يعرف بها رجل البريد أنه ليس بحاجة إلى أن ينشغل بهذا العنوان فيعيد الرسالة إلى المرسِل ويكتب: “المرسل إليه رحل عن المكان”، ولم يكن هذا الرحيل إلا تلطيفًا لحقيقة انتقاله إلى معسكرات الاعتقال. وهكذا انضمت عبارة “رحل” إلى معجم لغة النازي الخاصة باليهود.
اختصارات وعلامات ترقيم نازية
بعض التخصصات الدراسية لها علامات ترقيم مميزة، فالأكاديميون مثلاً يفضلون الفاصلة المنقوطة في كتاباتهم. وقد كانت علامة الترقيم المفضلة للنازية هي علامة الاقتباس الساخر. تهدف علامة الاقتباس إلى نقل الكلمات التي كتبها أو قالها شخص آخر، أما علامة الاقتباس الساخرة فهدفها التشكيك في الكلام المقتبس والتهكم عليه وإعلان كذبه. وقد فاق هذا الاستخدام الساخر لعلامة الاقتباس الاستخدام المحايد لها بمراحل، لأن اللغة النازية دائمًا ما تكون بإزاء خصم ما، وينبغي لها دائمًا أن تحط من شأن هذا الخصم.
وتجلت هذه الخصومة في مسألة الأسماء: فمع صعود الرايخ الثالث زادت نسبة الأسماء الجرمانية وزاد الشك في أصحاب الأسماء المسيحية فصار يشتبه بسهولة في انتماء أصحابها إلى المعارضة. أما اليهود فقد منع الآباء الجدد من منح أبنائهم أسماء ألمانية، كما تعين على كل امرأة يهودية أن تكتب قبل اسمها (ساره) وعلى كل رجل أن يضيف كلمة (إسرائيل) عند كل تعريف وكل معاملة وبهذا يكون اليهودي مصحوبًا بالجيتو أينما حل أو ارتحل.
كانت اللغة النازية لغة سجون: طرفاها سجان ومسجون، ومن الأمور الأساسية في لغة السجون الكلمات السرية والتعبيرات الغامضة المحيرة، ولهذا فقد شاعت الاختصارات بشكل غير مسبوق. تأتي الاختصارات مع التقنيات الجديدة والمنظمات الجديدة وقد جلبت النازية تقنيات ومنظمات جديدة في كل مناحي الحياة فتولدت هذا العدد الضخم من الاختصارات.
أفعل التفضيل
تعلمت اللغة النازية من الأمريكان هذا الهوس بأفعل التفضيل والأرقام العشوائية والخلط بين الكم والكيف، فأصبحت التقارير تتحدث عن غنائم الحرب بالآلاف وعشرات الآفات، ومئات الآلاف من الأسرى. أما عندما يتعلق الأمر بأعداد قتلى العدو فالأرقام تختفي تمامًا ويحل محلها تعبيرات من نوعية: “أعداد تفوق الخيال” و”أعداد لا حصر لها”.
كان قد لوحظ أثناء الحرب العالمية الأولى دخول لغة الجيش والحرب إلى الاستخدام المدني أما في الحرب العالمية الثانية فقد انتشرت لغة الحزب واستولت على لغة الجيش. قضت منشورات الرايخ الثالث على اللغة العسكرية المنضبطة وحولتها إلى نوع من الخيال الجامح. وتجلى هذا التدمير في القضاء على الحدود الرقمية، والأكاذيب شديدة الوضوح بالغة الفجاجة.
وتعلمت النازية كذلك استخدام الكلمات ذات القيمة الرقمية. فكلما انتصر الألمان في معركة كبيرة فإنها توصف بأنها “أعظم معركة في تاريخ العالم”، وكلمة معركة منفردة لا تكفي، بل لا بد من “معارك الدمار الشامل” التي يخوضها الجنود (وهنا يعتمد هذا الخطاب بلا خجل على نسيان الجماهير: فكم مرة يمكن إعلان موت العدو وتدميره تدميرًا شاملاً؟). وتحولت كلمة (العالم) هي الأخرى إلى أداة تفضيل.. فاليابان تحولت من قوة عظمي إلى قوة عالمية.. ولقاء الفوهرر بفلان سوف يسجل في تاريخ العالم، واليهود والبلاشفة هم أعداء العالم. حتى عناوين الصحف ازدادت ضخامة للتماشي مع روح المبالغة في كل شيء. أدت هذه المبالغات إلى مبالغات أكبر وصولاً إلى تخدير الحواس. لم يكن الهدف من ذلك مقصورًا على شل قدرة الناس على التفكير، بل الشعور أيضًا في نهاية المطاف (تدمير القدرة الشعورية للناس). فالجماعة المثالية من الأتباع تكتفي بالاتباع من دون تفكير ولا شعور.
ضحك الناس على كذبات جوبلز، لكنّ ذلك لم يحل بينهم وبين التأثر بها. كان يرى من ينتقد جريدة ما بأنها مأجورة وفي اليوم التالي يصدق كذبات فجة في الجريدة نفسها لأنها كتبت بالخط العريض ولأن الناس الآخرين صدقوا هذه الأخبار. يمكن للبروباجاندا التأثير لو كان عندك ما يكفي من الوقاحة للاستمرار فيها وكأن شيئًا لم يكن. حتى هو نفسه كان يتأثر كل مرة بطوابير الإس إيه والإس إس في المسيرات مع الأعلام والأغنيات وكان يقول لنفسه بقنوط: إذا كان هذا حالي فلا بد أن لها أثرًا هائلاً على الآخرين من أصحاب التفكير الانتقادي الأقل.
المفاجأة الغريبة أنّ هتلر حظي بالتأييد بغالبية أصوات الألمان، حتى من بعض اليهود الأذكياء.. حتى وهم داخل معسكرات الاعتقال! كأن غلالة غيمت فكر الجميع.
لغة المنتصر
حاصرته اللغة النازية في كل مكان. تأثر الجميع بهذه اللغة حتى أعداء النازية كانوا يشتمونها باستخدام تعبيراتها! سممت هذه اللغة الجميع بما في ذلك الناس الطيبين، بل حتى هو نفسه وجد في استخدامه اللغوي آثارًا لها. تحدث الجميع بلغة المنتصر، التي تسربت للدوريات اليهودية نفسها، التي وجد في إحداها وصفًا لكبير الطائفة اليهودية بأنه فوهرر المجموعة.
كانت لغة المنتصر بسماتها قد اخترقت كل شيء: الجمع الاختزالي للشعب في كلمة مفردة: اليهودي، الألماني إلخ. يقول كلمبرر إننا جميعنا لسنا محصنين ضد لغة المنتصر، بل نتنفسها ونعيش وفقًا لها. عندما تتحدث لغة عدوك فإنك تقر بالهزيمة ومن ثم تضع نفسك تحت رحمة هذا العدو.
بسبب تعبيرات معينة
في خضم الأحداث البائسة التي عاشها كلمبرر، وانشغاله بملاحظة اللغة وتسجيل سماتها، سأل نفسه إن كان من قبيل القسوة والتحذلق أن كل ما يفكر فيه هو الكلمات واللغة، لكنه انتهى إلى أنّ ما يفعله من باب حفظ النفس. فلولا هذا النشاط الدائب من الملاحظة والتسجيل والتأمل في لغة الناس، لكان قد أصيب بالجنون.
وبعد أن انتهت الحرب وسقط هتلر، كان يفكر فيما سوف يفعله وإذا ما كان مجديًا أن ينشر ملحوظاته في كتاب. تردد قليلاً، لكن ما حسم الموقف أنه التقى سجينة سابقة لدى النازيين. ولما سألها عن سبب تعرضها للسجن فقالت: لقد سجنت بسبب تعبيرات معينة (تعني بذلك أنها سجنت لأنها شتمت الفوهرر ورموز ومؤسسات الرايخ الثالث). كانت هذه لحظة الإلهام التي احتاجها كلمبرر ليحسم أمره.. فجاء كتابه بسبب تعبيرات معينة.
رائع💐
استأذنك بالإشارة إلى ملاحظات الصحفي والكاتب الألماني وليام شايرر ت1994م الذي ظل يرصد النازيين ويكتب عنهم منذ عام 1925، واستمر كذلك مدة تزيد عن خمس سنوات، ثم بلور ذلك في موسوعة تاريخية ضخمة عنهم، وقد صدرت ترجمتها العربية بعنوان “قيام وسقوط الرايخ الثالث”. وفي فصل عن سيطرة الحزب النازي على الصحافة والراديو والسينما يحكي شايرر تجربته الشخصية بحكم عمله الذي كان يقتضي منه صرف ساعات كثيرة من اليوم في تدقيق الصحف الألمانية والإنصات إلى الراديو الألماني، ويقول:
“لقد جرّبتُ أنا نفسي السهولة التي تنطلي بها الكذبة، وكيف ينخدع المرء بالصحافة المراقبة، والراديو الموجّه في دولة ذات حكم مطلق”. ويواصل شايرر نقل مشاهداته بالقول:”كثيراً ما وجدتني في منزل ألماني أو دائرة أو في حديث عابر مع غريب صادفته في مطعم أو مقهى أواجه بأغرب التأكيدات والتحليلات من أناس يدل مظهرهم على الثقافة والذكاء. واضح أنهم يرددون ببغائياً قطعة من الهذر سمعوها من الراديو أو قرأوها في الصحف، ويرى المرء نفسه أحياناً يقول ما في نفسه مصححاً، وفي هذه المناسبات يجد في انتظاره نظرة استغراب، وعدم تصديق، أو صمتاً عميقاً كأنما نطق بشتيمة أو كفر بالواحد القهار، فلا يلبث أن يدرك عبث محاولته في إيجاد صلة مع ذهن أصبح ملتوياً. باتت حقائق الحياة عنده كما صورها له هتلر وجوبلز بازدرائهما الحقيقة وعدم الاكتراث بها”.
حتى الثقافة والذكاء لا تكفي للنجاة من سلطة الرأي الجمعي والتوجيه السلطوي. والتجربة الأكثر مرارة من كل ما سبق اعتراف شايرر بأنه كاد أن ينجرف خلف تضليلات النازيين، مع وعيه بزيفها. يسجل هذا الاعتراف الهام بقوله:
“العجيب بل المفزع أحياناً أن أجدني -رغم فرصي الكثيرة في معرفة الحقائق ورغم عدم الثقة المتأصل فيما يستمد من مصادر نازية- فإن الاعتياد على غذاء مستمر على مرّ السنين من التزييف والتشويه والتزوير يخلف -والحق يقال- انطباعاً معيناً في عقل المرء كثيراً ما يضلله. لا أحد يستطيع أن يفهم كم من الصعب أن يتخلص المرء من الآثار المرعبة لدعاية نظام ذات طبيعة استمرارية وحساب دقيق، إلا إذا عاش عدة سنين في بلاد يسيطر عليها حكم مطلق توتاليتاري!”.