لا يوجد سؤال بريء. بمعنى أنَّ كل سؤال ينبني على افتراضات مسبقة، وكل نص يشتمل على بدهيات مضمنة في الكلام.
خذ هذا المثال البسيط: لو سألك أحدهم كم الساعة؟ فهو يفترض أنَّ معك وسيلة لتحديد الوقت (ساعة أو هاتف)، وأنك لطيف بما يكفي لإضاعة ثوان من وقتك لمساعدته، وأنك شخص مأمون الجانب، بمعنى أنك لن تستغل الفرصة وتشهر عليه سلاحًا وتجرده من أمواله مثلاً.
ولهذا يقال إنَّ السؤال نصف الإجابة، لأنَّ كل سؤال يحمّل بافتراضات مسبقة، وإذا لم ينتبه المجيب، فإنه يقبل هذه الافتراضات ويقع في الفخ. وثمة قصة شهيرة عن تلميذ سأل معلمه الراهب: هل يجوز أن أدخن بينما أصلي؟ فغضب الراهب وأجاب بالنفي القاطع. نصح أحد الخبراء التلميذ أن يغيّر من ترتيب سؤاله فقال: هل يجوز أن أصلي بينما أدخن؟ فأجاب الراهب بالإيجاب مسرورًا.
وثمة قصة أخرى أكثر فجاجة عن أهل قرية واجهتهم مشكلة: وقع لهم أكثر من مرة أن دفنوا بعض الأحياء من دون التأكد من وفاتهم. اجتمع أهل القرية لحل تلك الأزمة، فاقترح بعض الناس أن يوضع مع كل ميت في تابوته طعام وشراب، حتى إذا ما دفن أحدهم خطأ، يكون عنده ما يكفيه من زاد لحين إنقاذه، بينما اقترحت مجموعة أخرى إضافة سيخ حديد قرب موضع القلب من كل تابوت للتأكد من وفاة الميت. أجابت كل مجموعة عن سؤال مختلف.
تنبني كل محادثة بين اثنين أو أكثر من بني آدم على مجموعة من الافتراضات المسبقة غير المنطوقة، ولولا هذه الافتراضات لما تقدم الحديث خطوة واحدة.
إنَّ مرد تلك الضرورة برجوع الكلام إلى أمور متفق عليها يعود إلى استحالة التسلسل. تستند كل معارفنا النظرية إلى معارف أولية ضرورية لا يُستدل عليها ويتوقف عندها التساؤل لأننا نعرف صحتها في قرارة أنفسنا وإلا لوقعنا في التسلسل وما انتهينا من أي شيء.
وهبني قلت: هذا الصبحُ ليل ** أيعمى العالمون عن الضياء؟
يحيل الشاعر في هذا الحوار التخيلي إلى واحدة من مصادر المعرفة الإنسانية وهي الحواس، فإذا ما تصورنا وجود المُحاور الذي يشكك في النهار المدرك بالحواس، فلا إمكانية لأن يتقدم النقاش.
لكنَّ الخدعة تكمن في عرض ما هو غير ضروري في صورة الضروري. يقول المتخصصون في تحليل الخطاب إنَّ هذه الافتراضات من أهم مجالات ممارسة السلطة وتحديها، لأنَّ كثيرًا منها تكون غير صحيحة ونقبلها نحن لأنَّ الطرف الأقوى فرضها فرضًا. تكون هذه الافتراضات مضمنة، لا تذكر صراحة، وهذا بالتحديد هو مصدر قوتها، أنها أصبحت يقينية بحيث لا تحتاج إلى أن تذكر. ولا تخرج من حيز التضمين إلا عند تحديها أو رفضها. وإذا ما جربت في يوم من الأيام محاولة كشف هذه الافتراضات في كلام المتحدث، فإنها سوف تكون تجربة مزعجة للغاية لمن تحدثه.
وقد حكى الدكتور عبد الوهاب المسيري مرة عن لقاء تليفزيوني جمعه بمذيعة صهيونية، لو كنت أذكر القصة على ما ينبغي، أنه قرر إفساد اللقاء بتحدي جميع الافتراضات المسبقة للمحاورة. تقول المذيعة مثلاً: طبعا كلنا نعرف أنَّ.. فيقول: لا. أنا لا أعرف ذلك. من قال هذا الكلام؟ وهكذا، إلى أن اضطرت المذيعة لإلغاء اللقاء بعد 10 دقائق فقط من بدايته. جرب ذلك في أول محادثة تجريها مع أي إنسان وسوف تجد نتيجة مذهلة، وغالبًا ما سوف تخسر علاقتك بهذا الشخص.
وهكذا فإنّ السلطة الأيدولوجية هي قدرتك على فرض ممارساتك باعتبارها أمورًا بدهية، وهي ما يسميه فيركلو في كتابه اللغة والسلطة بالبدهيات الأيدولوجية. ومن ثم يكون معنى النجاح في تغيير الخطاب العام أن نغير ما يراه الناس بداهة.
لناعوم تشومسكي مقال مهم ذو صلة بعنوان The Bounds of Thinkable Thought
يناقش فيه لجوء الأنظمة لتوجيه الرأي العام من خلال تحديد مواضيع النقاش وحدودها المسموحة، ومن ثم يكون المعترضون، حتى أكثرهم معارضة، قد قبلوا ضمنيًا بمنطق السلطة المضمن في الكلام، بمجرد قبولهم الدخول في النقاش، بل إنَّ معارضتهم تكون حينها ترسيخًا لموقف النظام. كان المثال الذي ضربه تشومسكي حدود النقاش العام لحرب فيتنام.
وقد لاحظت أمرًا مشابهًا في النقاش الإعلامي الأمريكي للقضية الفلسطينية الذي يدور حول ثنائية (الصواريخ والمستوطنات) فيدين مؤيد القضية الفلسطينية إنشاء المستوطنات، ليرد عليه المعارض بمسألة الصواريخ من غزة، فيرد المؤيد بأنَّ إسرائيل هي من بدأت إلخ.
لكنَّ هذا النقاش هامشي ويتجاهل محل النزاع الأساسي: شرعية إسرائيل. لب المشكلة هذا لا يناقش أصلاً. إنَّ مشكلتنا مع إسرائيل ليست بناءها مستوطنات في الضفة. مشكلتنا أنها كيان عنصري غير شرعي طرد السكان الأصليين وأحالهم إلى لاجئين ومنعهم من حق العودة الممنوح حتى بموجب القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. هذا هو لب الموضوع وأصل الخلاف. لكن بمجرد الدخول في نقاش الصواريخ والمستوطنات ومن بدأ، فمعناه أنك قد قبلت ضمنيًا أنها دولة شرعية لكنها تبني مستوطنات، أو تستخدم القوة المفرطة، وفي كلتا الحالتين تترسخ وجهة النظر الإسرائيلية بكونها كيانًا مشروعًا.
في المقال القادم إن شاء الله نناقش طريقة عرض القضايا التي نؤمن بها.