يقول نيل بوستمان إن التكنولوجيا ليست محايدة. يعني أن منافعها وأضرارها ليست متوقفة على استخدام الناس لها، لكن استخدامات أي تكنولوجيا تتوقف بشكل كبير على هيكل هذه التكنولوجيا ذاتها، فوظائفها مستمدة من تركيبها. التكنولوجيا ما إن يتم إقرارها حتى تفعل ما صممت لفعله، ووظيفتنا أن نفهم هذا التصميم.

في كل تكنولوجيا يكمن تحيز أيديولوجي، أي ميل لتكوين العالم على أساس دون أساس آخر، تضخيم شعور أو مهارة أو موقف بشكل أكبر من مثيله.

في كل وسيلة نخترعها هناك فكرة كامنة تتجاوز وظيفة تلك الآلة نفسها. الساعة، مثلا، غيرت مفهوم الناس للوقت. فالعالم المصنوع من الدقائق والثواني يختلف عن العالم المصنوع من الفصول والشمس. لقد أدت الساعة لتحويل وجهة النشاط الإنساني وربما علمتهم عدم توقير الطبيعة. واختراع النظارة في القرن الثاني عشر لم يؤد فقط لتحسين الإبصار وإنما لتعليم الناس فكرة جديدة وهي أن هبات الطبيعة أو صروف الدهر ليست نهائية، وأن أجسادنا وعقولنا قابلة للتحسين.

حتى مخترع التكنولوجيا لا يمكنه أن يتنبأ بنتائجها. من أكبر الأمثلة على ذلك ما حصل مع جوتنبرج، مخترع الطباعة، الذي كان كاثوليكيا متدينا، ولم يخطر بباله أبدا أن اختراعه سوف يكون العامل الحاسم وراء انتشار المذهب البروتستانتي. أدت الطباعة إلى نشر كلمة الرب في كل البيوت، وبالتالي أصبح كل إنسان كاهنا لنفسه، لا حاجة به إلى قس ما دامت كلمة الله ذاتها موجودة معه، وهو عين ما رآه وأراده لوثر. كسرت المطبعة احتكار الكنيسة للمعرفة الدينية. كانت المطبعة عامل الترجيع في الصراع بين وحدة الاعتقاد الديني لصالح التنوع، وهو ما لم يخطر لجوتنبرج أبدا.

أول ظهور لاستخدام الأرقام في تصحيح أوراق الطلاب ظهر في جامعة كامبردج عام ١٧٩٢ باقتراح مدرس خصوصي يدعى ويليام فاريش. كانت فكرته المتمثلة في وضع قيمة كمية للفكر الإنساني خطوة كبرى ناحية تكوين مفهوم حسابي للحقيقة. يقول المثل القديم: بالنسبة لشخص معه شاكوش، يبدو كل شيء كمسمار. وكذا فبالنسبة لشخص معه كاميرا يبدو كل شيء كصورة، وبالنسبة لشخص معه كمبيوتر يبدو كل شيء كمعلومة (داتا) وبالنسبة إلى رجل معه كراسة درجات يبدو كل شيء كرقم.

لو أن من الممكن وضع رقم للتعبير عن كمية الفكر، فيمكن استخدام رقم للتعبير عن كمية الرحمة والحب والجمال والإبداع والذكاء والعقل نفسه. الآن السيكولوجيون وعلماء الاجتماع يؤمنون أنه دون استخدام الأرقام لا يمكنهم الحصول على معرفة حقيقية أو التعبير عنها.

لكن الحق أنه ليس هناك اختبار لقياس الذكاء، فالذكاء مصطلح عام يستخدم للإشارة إلى قدرة الشخص على حل مشكلات في الحياة الواقعية في عدد من السياقات الجديدة. الناس يختلفون بشكل كبير في تلك الإمكانيات. يحول هذا الاختبار قيمة مجردة متعددة الأوجه إلى مصطلح تقني محدد يتجاهل كل شيء مهم. لقد صرنا نعتقد أن درجة الاختبار هي حقا ذكائنا أو قدرتنا على حل المشكلات بشكل إبداعي، كما صرنا نعتقد أن الاستفتاءات تمثل حقا ما يعتقد الناس، كما لو أن اعتقادات الناس يمكن حصرها في كلمة (أوافق) أو لا (أوافق). هذا القياس الكمي للمجردات يركز أكثر ما يركز على الدقة، أما الفكرة الموجودة في ثنايا الآلة فيتم تجاهلها (مثل جهاز اختبار الكذب الذي يقيس بكفاءة لو أن الإنسان متوتر ذبذبات الصوت فهو كاذب. المهم هو كفاءة قياس التوتر، لكن من قال إن الشخص لا يمكنه أن يتوتر إلا حال الكذب وأن الكذب لا يمكن دون توتر؟!) لقد تجاهلت الآلة: تعريف الكذب والصدق وغيرت معناهما! هناك فرق بين أن تكون العملية موثوقة النتائج وأن تكون مفيدة!

إنكار ما سوى المادة أدى إلى ذلك الاعتقاد بإمكانية قياس كل شيء، وطريق ذلك تحويل المجردات إلى أشياء محسوسة. فالافتراض أننا إذا أردنا أن نقيس الذكاء، الذي هو قيمة مجردة، فكل ما علينا فعله تجاهل حقيقته واعتباره شيئا محسوسا مثل البنكرياس، وسوف يمكننا إذن أن نقيسه!

المشكلة الثانية في التصنيف فالتصنيف يتطلب وجود معيار لتصنيف الأفراد. وبالتالي نحن لا نكتفي بافتراض أن الذكاء شيء، لكنه شيء واحد يوجد في المخ يمكن الوصول إليه وربطه برقم. يشبه هذا أن نربط الجمال بطول شعر المرأة، وبالتالي يكون كل ما علينا فعله قياس طول الشعر وترتيب كل امرأة بحسبه، وكذا يكون لدينا مقياس “موضوعي” للجمال!

لقد غير إدخال الدرجات من التجربة التعليمية بالكامل فأدخل منافسة شرسة وأعطت مقياسا “موضوعيا” للأداء الإنساني، فخلقت وهما بأن القياس الدقيق للاستحقاق يمكن تحقيقه، وأن البشر “قابلون للقياس”.

يحكي نيل بوستمان عن بعض المقالب التي كان يجريها على أصدقائه من أساتذة الجامعة بأن يخبرهم أشياء سخيفة، يدعي أنه قرأها في جريدة اليوم، من نوعية: (بحث في جامعة مينيسوتا قال إن تناول الشوكولاتة يساعد على التخسيس أو أن الركض يؤدي لزيادة الغباء). المفاجأة أنه الأساتذة كانوا يصدقون مبدأيا في معظم الأحوال لأنه “لم يعد هناك صورة متسقة للعالم تستطيع قياس الأشياء عليها لتعرف إن كان خبر ما يمكن تصديقه أو لا يمكن، وبالتالي لم يعد شيء يدهشنا لفترة طويلة. صرنا نصدق لأنه لا سبب يمنعنا من عدم التصديق. فالإنسان الحديث يؤمن بالعلم كما كان يؤمن الإنسان القديم بالله” وهو ما يسميه بوستمان بالعلموية وهي الاعتقاد بإمكانية تطبيق مبادئ العلوم الطبيعية على السلوك الإنساني، وأن العلوم الاجتماعية تنتج مبادئ محددة يمكن استخدامها لتنظيم المجتمع على أساس عقلاني. وأن الإيمان بالعلم يمكن أن يعمل كنظام اعتقاد يعطي معنى للحياة وإحساسا بالرخاء والأخلاق بل وحتى الخلود.

 

يعترض بوستمان على استخدام كلمة العلم لوصف العلوم الإنسانية لأن ذلك لا يفرق بين العمليات والممارسات. فالأولى تشير إلى ما يحدث في الطبيعة مثل دوران الكواكب حول نفسها، هذه العمليات تحكمها قوانين ثابتة لم يضعها الإنسان. أما الممارسات فهي من فعل الإنسان، أي الأحداث الناتجة عن القرارات والأفعال الإنسانية. وهي تنتج عن تفاعل الذكاء الإنساني مع البيئة، ولا تقررها القوانين الطبيعية. بعبارة أخرى هناك فرق بين الرمش والغمز. العلم هو محاولة إيجاد القوانين الثابتة للكون، التي تحكم العمليات بافتراض أن هناك علاقة سببية بين هذه العمليات.

تحتاج العلوم الاجتماعية إلى مصدر للسلطة وتجد هذا المصدر في فكرة الموضوعية الإحصائية لتتشبه بالعلوم الطبيعية (ولو كان هذا صحيحا فلا فرق بين الرسام والنقاش لأن كلا منهما يستخدم الدهانات) إن المعلومات المنتجة من العد قد تكون قيمة في مساعدة الشخص على إيجاد فكرة أو دعمها لكن مجرد العد لا يجعل الشيء علما.

العلموية هي إساءة استخدام للتكنولوجيا عن طريق تطبيق تقنيات مثل التحديد الكمي في مسائل ليس للأرقام بها صلة. حتى هذه الأرقام واستخلاص النتائج منها وتعميمها محل نظر. قرأت مؤخرا خبرا مفاده أن”أغلب الدراسات التي تناولت النفس البشرية قد بُنيت على باطل، واعتمدت على فرضية خاطئة بسبب الخلل المكتشف في البرامج الإحصائية المصاحبة لأجهزة “fMRI”

وان ذلك سوف يدمر نتائج ٤٠ ألف بحث علمي! يعني أن كثيرا من المقالات ومنشورا الفيس بوك التي بدأت بعبارة: “أشارت الأبحاث” بنيت على فرضيات خاطئة بسبب خلل إحصائي.

الغرض من هذا الكلام أن يتحلى الناس بشيء من التواضع، وأن يعرفوا أن المقالات المكتوبة بالإنجليزية عن بحث أقامته جامعة كذا، ليست دليلا ولا كلمة نهائية للعلم. وأن العلوم المادية لها حدود لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن لهذه العلوم إعطاء معنى للحياة.