من أجمل القصص التي قرأتها في حياتي، والتي لازلت أذكرها وأحتفظ بها رغم مرور ١٦ عاما، قصة “رحلة البحث عن الشجاعة” من إصدارات مجلة الهلال لعام ٢٠٠٠!
بطلة القصة فتاة صينية جبانة جدا، تخاف من ظلها، تدعى “تنج تنج مين”. ذات يوم وجدت كلبا نائما على ناصية الشارع المؤدي لمدرستها فتجمدت في مكانها من الخوف. بكت “تنج تنج مين” كثيرا وقد أدركت أن الحياة لن تستقيم هكذا، وتساءلت: يا رب .. لماذا أنا جبانة؟!
سمعتها نملة فرقت لحالها وقررت مساعدتها. قالت: جواب سؤالك عند العم عارف كله كله! أعطتها طاقية في حجم حبة العدس جعلت حجمها يصغر ثم بدأتا معا رحلة في عالم مسحور للبحث عن جواب لسؤالها. مرا بمغامرات كثيرة .. عبرا نهرا على ورقة شجر وحلا ألغازا وتسلقا جبلا. وجدا رجلا ذا لحية وظنا أنه العم “عارف كله كله” لكن اتضح أنه العم “عارف أقل من كله”. وجدا رجلا آخر في قوقعة اتضح أنه العم “عارف أقل من أقله”. واصلا الطريق الطويلة وكل مرة يجدان رجلا ذا لحية يظنان أنهما وجدا ضالتهما حتى وصلا في النهاية.
سألته تنج تنج مين: يا عم “عارف كله كله” .. أخبرني لماذا أنا جبانة جدا؟ تعجب العم عارف وسألتها: من الجبان؟ وسرد لها ما قامت به من مغامرات! أدركت “تنج تنج مين” حينها، إدراكا مفاجئا، أنها كانت شجاعة جدا لكنها لم تكن تعرف. كانت تحتاج إلى المغامرة لتعرف أكثر عن نفسها وتختبر مشاعر لم تختبرها من قبل.. كان لابد من الرحلة لتمر بلحظة الإدراك تلك، (ومن لم يجرب ليس يعرف قدره). في نهاية القصة رقصت “تنج تنج مين” والعم “عارف كله كله” والنملة احتفالا بذلك الاكتشاف السعيد!
إن الكنز الحقيقي الذي يكتشفه المسافرون هو إدراكهم في آخر الرحلة أن الكنز في الرحلة فعلا. الكنز في معرفة الناس الحلوة الذين نقابلهم في الطريق وفي المشاعر المتفردة التي لا يمكن للإنسان أن يشعر بها إلا في ظروف محددة جدا يتيحها السفر.
***
علمت في الأيام الأولى لوصولي أمريكا أن أحد أقرب أصدقائي قد اعتقل. كان الجو جميلا جدا ذلك اليوم: أشجار وخضرة وحدائق ذات بهجة وأسر سعيدة ونسمة هواء عليل في وقت العصر، وقتي المفضل من اليوم. كان في نيتي أن أتمشى كعادتي لكن قدماي خذلتني. كنت حزينا جدا. جلست على أحد المقاعد خارج كاتدرائية واشنطن الكبيرة أفكر في صديقي وأقارن حاله بحالي حتى نمت في مكاني حزنا وكمدا وحين استيقظت مغموما منقبض الفؤاد تعجبت أن أكون في مثل هذا المكان وهذه الأجواء ولا أكون سعيدا!
بين الرياض وقد غدا في مأتم ** وتخاله قد بات في أفراح!
وتهت في أورلاندو وقضيت ليلة من أكثر ليالي حياتي رعبا. أنزلتني الحافلة أمام نادي تعر في حي مخيف وهناك أدركت أنني حجزت في شقة في مكان لم أكلف نفسي بالبحث عنه قبل الوصول، وليس معي إنترنت للبحث الآن، وأنني حتى لم أنظر في النشرة الجوية لأعرف حالة الطقس في تلك المدينة، وطريقي الوحيد للوصول هو سؤال الناس الذين لا أثق فيهم. كانت الشوارع مظلمة والجو باردا فأخرجت جلابية كانت معي وتلفحت بها، ومن بعيد كنت أسمع موسيقى صاخبة من مكان ما. وبين الحين والآخر كنت أرى متشردا سكرانا يهيم على وجهه ويكلم نفسه. وجدت محلا يملكه عرب فاطمأن قلبي لسماع كلام عربي، وحين سألتهم أرسلوني لمكان أبعدني عن وجهتي أكثر. وجدت كنيسة للأفارقة الأمريكان وطلبت مساعدتهم في إجراء مكالمة فرفضوا بفظاظة، عبرت الطريق إلى محل للخمور أمام الكنيسة فساعدتني صاحبة المحل وبحثت معي! ووصلت في النهاية لمكاني بأعجوبة.
وذهبت إلى “ديزني لاند” وحيدا، مصابا باحتقان في الحلق من أثر الليلة السابقة، متلفعا ببطانية استعرتها من مضيفي بسبب البرودة غير المتوقعة للجو. حسبما أذكر أنني كنت الوحيد في كل مملكة ديزني لاند الذي ذهب هناك وحده. تملكني شعور غريب .. مزيج من الفرح الطفولي والحزن الخفيف. جعلني هذا أفكر: ما فائدة التجارب الممتعة إذا لم نشاركها مع من نحب؟! لن يحدث أبدا أن يذكرني أحدهم بهذا اليوم! لاحقا اكتشفت أنني لم ألتقط سوى صورتين فقط لنفسي على مدخل ديزني لاند ذلك اليوم!
بالصدفة، وجدت فتاة صينية تلتقط الصور للمدينة. وجدتها في أكثر من مكان دخلته. وحين ركبت عربة في إحدى ألعاب القطار السريع كانت واقفة على الرصيف بانتظار دورها. كانت هي أيضا وحدها. (أجارتنا إنا غريبان هاهنا ** وكل غريب للغريب نسيب!) تبادلنا النظرات .. ابتسمت لها فابتسمت ولوحت لي بيدها ثم انطلقت العربة وغابت في الممر اللولبي.
قابلت أنواعا غريبة من البشر. قضيت ليلة مع بعض الناس بينهم تاجر مخدرات شاب يدعى (كريس) قال لي إنه كسب ٥٠ ألف دولار في العام الماضي فقط من تجارة المخدرات. ولما رآني مهتما بالأمر عرض لي كيفية عمل نوع من المخدرات يتعاطونه عن طريق الاستنشاق من بالونة. بدأ في تعاطي هذا المخدر ـ الذي نسيت اسمه ـ مع فتاته بينما أخذت تحكي لنا كيف كادت تموت من جرعة زائدة من المخدرات الأسبوع الماضي. ثم عرض عليّ (كريس) أن أذهب معه في حفلة ما بشرط ألا أتناول شيئا هناك قبل أن أستشيره قبلها كي لا أعرض نفسي للأذى، لكنه غير رأيه عندما عرف أن الحفلة مقامة في بيت وأن الشرطة قد تأتي في أي وقت. شكرت كريس عند رحيلي صباح اليوم التالي على لطفه معي وعلى المعلومات القيمة التي أمدني بها، والتي لن أستخدمها أبدا، فقال لي: أحاول دائما أن أبين للناس أنه ليس كل من يعمل في مهنتنا شريرا .. أنا فقط أحاول مساعدة الناس على قضاء وقت ممتع!
في أيامي الأولى في واشنطن كنت أمشي مسرورا بين الأشجار والحدائق دون خطة ولا هاتف ولا خريطة لساعات طويلة. وفي يوم وجدت معبدا بوذيا على جانب الطريق فقررت زيارته. قرعت الباب وسألتهم إن كانوا يستقبلون ضيوفا. رحب الناس بي كثيرا وأروني المعبد وعرضوا لي فيلما قصيرا عن أهم مبادئ طائفتهم البوذية. عرفت أن أعلى الحاضرين رتبة شرطي أمريكي من أصول آسيوية. تعجبت من ذلك، وتناقشنا في أشياء كثيرة. عندما جاء الكلام على ذكر الشر في العالم، قال لي: أولئك الذين لا يقدرون حياتهم .. لا يقدرون الحياة ذاتها! شكرتهم في النهاية ومشيت مسرورا وأنا أقول لنفسي: الآن لو قلت للناس أنني أخذت حكمة من راهب بوذي فلن أكون كاذبا!
في آخر ليلة لي في (بالتيمور) جلست في ستار بكس قبل موعد القطار بساعتين. دخل علينا ضابط شرطة حيا الجميع بصوت عال وطلب انتباههم. توقعت حدوث مشكلة ما، خصوصا أن مدينة بالتيمور هي ذاتها المدينة التي قتل فيها شاب أسود من عدة أشهر وحدثت فيها مصادمات عنيفة بين الشرطة ومتظاهرين. بعد أن انتبه الزبائن قام الضابط بعمل لعبة سحرية (إخفاء المنديل). سألنا الضابط بعد ذلك إن كان مع أحدنا ورقتين فئة دولار وعشرة دولارات، ولما أعطاه أحد الزبائن النقود استخدمهما في لعبة سحرية أخرى ثم رد النقود لأصحابها وسط تصفيق الزبائن. رفض الضابط دعوات لمشروب كما رفض طلبي بتصويره فيديو لأنه يرتدي ملابسه الرسمية! تمنى لنا أمسية سعيدة وتركنا!
وقمنا ذات يوم بعمل حملة للتبرع بالملابس في جامعة ماين لصالح اللاجئين السوريين. مر عليّ رجل خمسيني أبدى اهتمامه بالحملة وسألني إن كنا سوف نكون متواجدين غدا. بعد ذلك بحوالي نصف ساعة جاء نفس الرجل وخلع معطفه وتركه في الصندوق. حين أخبرته أننا سوف نكون موجودين غدا قال إنه اكتشف أنه سوف لن يكون متاحا وأن هناك من يحتاج هذا المعطف أكثر منه! ومشى الرجل بنصف كم في جو “ماين” لاسع البرودة!
وعندما وقعت لي حادثة الدراجة، وعرف أحد طلابي بالأمر جاء مع زوجته الحامل في نفس اليوم وأخذني من المستشفى واستضافني في بيته وغسل ملابسي وفي الصباح حجز لي مواعيد الأطباء واشترى لي الأدوية وأوصلني حتى غرفتي في آخر اليوم!
رأيت أغنياء غنى فاحشا، ورأيت فقراء ومشردين ومخابيل لا عد لهم، كاد أحد أولئك المخابيل أن يتشاجر معي في إحدى حافلات واشنطن لأنني أخرجت حاسوبي واستفزه ذلك المنظر لسبب ما. ورأيت في بالتيمور أطفالا سود يقفون على إحدى الإشارات انتظارا لمسح زجاج السيارات المارة من أجل المال! وقابلت مرتين طوائف من اليهود السود يقفون في الشارع ويزعمون أنهم بنو إسرائيل الحقيقيون وأن لحظة الانتقام أصبحت وشيكة. كانت هاتان المجموعتان من أكثر الناس الذين تكلمت معهم شرا وحقدا. كانوا نموذجا حيا لسيطرة فكرة واحدة على رأس إنسان ما. شتمني بعضهم في نهاية حوارنا، وكان ألطف ما قاله لي أحدهم أنهم سوف يستعبدونني لكن سوف يخفف من عذابي أنني لست أبيض البشرة تماما، فأنا “لست الشيطان” على حد تعبيره!
وتعرفت في إحدى الحافلات على جندي أمريكي مصاب باضطراب ما بعد الصدمة النفسية. حكى لي أنه كان يعمل طباخا في الجيش الأمريكي وأصيب بالصدمة العصبية لما رأى ضابطا أمريكيا يعدم جاسوسا أفغانيا، ثم ضربت قاعدتهم بالصواريخ وظل فترة تحت الأنقاض، فسرح من الجيش بسبب مرضه!
ومررت ذات يوم على نهر “بينوبسكوت” القريب من الجامعة، فوجدت مجموعة من الطلاب متحلقين حول النهر ينظرون ويكتبون شيئا ما في كراساتهم، وحين سألت ما الأمر عرفت أن هذا فصل دراسي يسمى (التواصل البيئي) يقوم فيه الطلاب بمحاولة التواصل مع النهر والتأمل فيه ثم يكتبون مشاعرهم تجاهه!!
وكان جاري في السكن شابا من رواندا فقد أمه في الحرب وقتل جده وابن عمه أمام عينيه، ونجا من الموت بأعجوبة بعد أن جرى واختبأ في الغابة.
قابلت أمريكانا دخلوا الإسلام وعربا تركوا الإسلام وقابلت حفيدة أميرة روسية هربت إلى أمريكا بعد الثورة البلشفية. ورأيت في باحة الجامعة ولدا يرتدي ملابس الـ “باور رينجرز” ويخرج كل خميس يدور في الجامعة على مزلجة ويصافح الطلاب “هاي فايف” لينشر السعادة!!
وكنت محظوظا بما يكفي لأن أشهد لحظة إدراك لإحدى تلميذاتي في صف اللغة العربية، عندما قطعت قراءتها فجأة وقالت لي مذهولة: “يا إلهي. أنا الآن أقرأ بالعربية! شكرا جزيلا!”
سافرت في إجازة نصف العام دون أي خطة: عرفت أن فتيات سوف يسافرن بالسيارة إلى نيويورك فقررت أن أذهب معهن دون أن أعلم أين سأبيت هناك. ولشهر كامل كنت أعيش اليوم بيومه متنقلا بين مدن لا أعرفها. تمشيت عشرات الكيلومترات وحدي تماما في مدن لا أعرف فيها أحدا. وقضيت أياما في واحد من أكثر أحياء نيويورك اشتهارا بالجريمة. وتهت عشرات المرات دون هاتف ولا إنترنت في أماكن غريبة وكل مرة كنت أصل سالما غانما .
حضرت غروبا رائعا الشمس على جسر بروكلين وغروبا آخر على تبة تشرف على ميناء بالتيمور. وقضيت أوقات عصر رائقة لا عد لها على موانئ أو في حدائق عامة أتأمل الماء والسماء وأسمع أصوات النوارس. رأيت ألوانا للسماء ما كنت أتخيل وجودها، وذات ليلة صافية من ليالي “ماين”، شاهدت السماء كما لم أشاهدها من قبل مرصعة بعشرات النجوم المتلألئة. شاهدت الخسوف الكلي للقمر مستخدما تلسكوبا رديئا مع طلاب في باحة الجامعة. وفتحت الشباك ذات يوم لأجد الأرض مفروشة باللون الأبيض. ورأيت تساقط الثلوج لأول مرة في حياتي. وتزحلقت على الجليد (بمعنى أنني وقعت على ظهري في الجليد لا أنني مارست رياضة التزلج). واكتشفت في فلوريدا مدينة جميلة مبنية على الطراز العربي القديم كما صور في فيلم علاء الدين.
سبحت في المحيط وخطبت أول جمعة في حياتي وأذنت وصليت إماما في كنيسة وعملت خطاطا أكتب أسماء الناس بالعربية في مهرجان ثقافي بالجامعة، على سوء خطي، وظهرت في الجرائد والتلفاز مرات عديدة لثوان في كل مرة. وشاركت في مظاهرة في الجامعة للمطالبة بإلغاء ديون الطلاب، كان المصورون للمظاهرة أكثر عددا من المتظاهرين. وحضرت جلسة تنويم مغناطيسي.وأجريت علي تجربة ضمن كورس علم النفس. في يوم واحد تسلقت جبلا وعملت حادثة بالدراجة كسرت فيها أسناني ونظارتي وأنفي وذراعي اليمنى ومعصم يدي اليسرى. وصورت، مع اثنين آخرين، فيلما وثائقيا عن الإسلاموفوبيا (أظنه لم يعرض أبدا)
حضرت صلوات في كنائس ومعابد وحضرت احتفال اليهود بعيد الفصح واحتفال الوثنيين بقدوم الصيف واحتفال السكان الأصليين لأمريكا بقدوم الربيع. حضرت حفل زواج وثني وجلسة تأمل (زن). شاهدت سباقا للقوارب وقطفت التفاح في مزرعة قرب مدينة “بانجور” وشغلت مهرجان (القمة والدخيلة) في إحدى الحفلات الأمريكية فلم يتفاعل أحد!
خيمت في معسكر للغة الفرنسية في قلب الغابة بلا كهرباء .. مشيت مهتديا بضوء القمر وسهرنا أمام كوخ خشبي نغني بالفرنسية ونصرخ في قلب الغابة ونقلد صوت الذئاب .. تدفئنا بمدفئة قديمة تعمل بالأخشاب وأشعلنا الشموع وحكينا قصصا مرعبة ورقصنا رقصة أهل كيبيك القديمة .. طريقتهم الوحيدة في التسلية قبل الكهرباء!
قابلت ناسا من كل الأديان والثقافات. أعطيت محاضرات عامة وكان لي طلاب وأساتذة وأصدقاء وزملاء. خضت نقاشات عظيمة في مواضيع لا حصر لها. تعلمت وتفاعلت وتركت جزئا من نفسي في كل مكان زرته، وكل شارع مشيت فيه، وتركت الأماكن وساكنوها في نفسي أثرا لن يمحى.
***
في طريق العودة، في الطائرة الأخيرة المتجهة من باريس إلى القاهرة، كنت أفكر في كل ما مر بي. كان معنا على الطائرة أحد المرحلين من فرنسا بسبب الهجرة غير الشرعية. كان صوت الرجل يعلو بالصراخ والشهاديتن والاستغاثة بالله في محاولة بائسة أخيرة للبقاء، ثم سكت أخيرا عندما انطلقت الطائرة.
كنت أفكر في كل ما مضى، في الناس الذين عرفتهم في الطريق والذين التقت طرقنا في تلك النقطة ثم مضى كل منا لحاله، في الذكريات الحلوة الحزينة، في الوقت ذاته، لأنها لن تتكرر. كنت أفكر فيما قاله ميلان كونديرا من أن “الوقت الإنساني لا يسير في شكل دائري بل يتقدم في خط مستقيم. من هنا لا يمكن للإنسان أن يكون سعيدا لأن السعادة رغبة في التكرار”.
ثم تذكرت رواية الليالي البيضاء لدستويفسكي التي تنتهي بمشهد حزين نترك فيه البطلة البطل وترتمي في أحضان حبيبها القديم. ومع ذلك يقرر بطل الرواية مسامحتها، لأنها، رغم كل شيء، قد وهبت حياته المملة لحظة سعادة. يقول: “لحظة سعادة بأكملها .. رباه هل تحتاج حياة إنسان إلى أكثر من هذا” قلت لنفسي: صحيح أن الحياة لا تسير في شكل دائري، ولا تغيير لهذه الحقيقة، لكن المهم أنني عشت لحظات سعادة.
قبل رجوعي بيوم. دعاني أحد الأساتذة لبيته مع تلميذ آخر، وأخذنا إلى منتزه أكاديا الشهير بماين. وقفنا على قمة أعلى جبل في الولاية، وأول مكان تشرق عليه الشمس في أمريكا. في الأفق كانت تبدو الجزر الخضراء والتلال المكسوة بالغابات، والبيوت الجميلة المتناثرة كحبات اللؤلؤ. في طريق العودة، في وقت العصر، وقتي المفضل من اليوم، كنا نتحدث عن الجمال وعن أثره في النفس. قال لي الأستاذ: على ذكر الجمال .. سوف أريك مكاني المفضل في ولاية ماين. توقف في مكان جانبي من أجمل ما رأيت. لم أصدق هذا الجمال والله. كان هذا أكثر مما أحتمل، فدمعت عيوني من السعادة. لم أشعر أبدا بهذا الإحساس من قبل، رأيت أماكن حلوة كثيرة في السنة التي قضيتها في أمريكا، لكن تلك كانت لحظة إدراك. كانت تلك اللحظة أكثر ما اقتربت في حياتي من الجمال. تفتحت حواسي كما لم تتفتح من قبل ولمس الجمال قلبي فبكيت. قلت لنفسي: يا سلام! لو أنني أعيش في هذا المكان للأبد وأقضي فترات العصر أشرب الشاي وأراقب الطيور وأقرأ لكنت أسعد إنسان في العالم! لو أستطيع أن أجمد هذه اللحظة للأبد!
طول الطريق كنت أغالب دموعي وأقول لنفسي: أنا محظوظ والله. أيا كان الماضي وبغض النظر عن المستقبل، فقد عشت تلك اللحظة النادرة. لقد كنت محظوظا بما يكفي لكي أشهد “لحظة سعادة بأكملها .. رباه هل تحتاج حياة إنسان إلى أكثر من هذا!”
That’s so touching..
للحظة تمنيت إني أشوف المكان المفضل للدكتور في ماين وفكرت إن هيبقى حلو أوي لو كنت نزلت صورة..
وبعدين افتكرت إن ربنا قدير يرزقنا الجمال من غير ما نحتسب…
ربنا يرزقك ويرزقنا
:)))
مبدع كالعادة صديقى يحيى
أبكيتنا!..
ما أحلى هالكلمات دخيل قلبك يا يحيى
رائع
كذلك بالنسبة لي وقت العصر وقتي المفضل من اليوم
شكرا لك
جميل جمال بشكل لا يحتمل ❤
المقال ده هو الجمال بعينه
كل كلمه وكل وصف وتعبير فيه يخليك تحس بالسعادة اللي تلمس قلبك ويخليك تتمنى ان الكلام مايخلصش وانك ماتبطلش قراية ولو انك تقدر تجمد اللحظة وتفضل تتمتع بالشعور ده للأبد
شكرا لمشاركتنا هذه التجربه الخاصة جدا
وارجوك لا تتوقف ابدا في كتابه خواطرك فبقرائتها تحلو الحياه كثيرا
شكرا على اللحظات دى يا يحيى
جمال الكلام ده فى صدقه يا استاذ يحيى يا جميل
الله يخليك. متشكر جدًا <3
حلو كتير. ربنا يرزقنا السعادة المتجددة ويعفينا من نقطة الرغبة في التكرار
الله <3
جميل جمال ملوش مثال يا عم يحيى