تواجهني تلك المشكلة كلما عدت للفيس بوك بعد فترة انقطاع: أشعر بالتشتت والارتباك وعدم القدرة على التعامل مع هذا الطوفان من المعلومات العشوائية المشتتة منزوعة السياق وغير المتصلة بحياتي اليومية.

هناك صفحة ساخرة على فيس بوك بعنوان (كل يوم معلومة غير مفيدة) تنشر معلومات من نوعية: هل تعلم أن القتل يعتبر جريمة في شمال فرنسا؟ أو أن فرص المرأة في الإنجاب تزداد بعد الحمل؟ أو أن الأسود في أحراش كينيا لا تستطيع النباح؟ الخ.

طبعا كل المعلومات المذكورة أعلاه صحيحة لكنها لم تضف أي جديد. مقولات بدهية أعيدت صياغتها للتغطية على محتواها الفارغ. لكن حتى المعلومات غير البدهية ليست بالضرورة مفيدة. إن معلومات مثل: أطول نهر في العالم أو روابط عشرات الكورسات لتعليم الإنجليزية أو خبر فوز اليمين المتطرف في انتخابات فرنسا، ليست مفيدة ما لم تكن متصلة بسياق وليس ثمة نظرية أو رؤية عامة تنظمها أو غرضا تخدمه. هذه المعلومات هي مثال لل

disinformation

وهي ليست معلومات خاطئة، لكنها معلومات مضللة أو موجودة في غير محلها أو سطحية أو غير مهمة. معلومات تعطي وهما بالمعرفة لكنها في الواقع تقود الواحد بعيدا عن المعرفة. هذه المعلومات ليست فقط علما لا ينفع وإنما هي علم يضر. علم يشتت!

لم تكن الأمور دائما على هذا الحال. يقول (نيل بوستمان) في كتاب (تسلية حتى الموت) إنه قد مرت على البشرية فترة طويلة كانت المعلومات فيها وظيفية ومحلية. معنى ذلك أن الإنسان تواجهه مشكلة ما، فيبحث عن معلومة تساعده على حل تلك المشكلة. وأن نفس هذا الإنسان يتلقى معلومات وأخبارا متصلة بحياته اليومية بشكل ما. هذه المعلومات لها وظيفة وينتج عنها فعل.

لكن كل ذلك تغير باختراع التلغراف. (ثم التلفاز والكمبيوتر فيما بعد) منذ ذلك الحين أصبحت المعلومات سلعة. انتقلنا من ندرة المعلومات إلى التخمة المعرفية. عدد مهول من المعلومات التي لم يطلبها أحد، غير الموجهة إلى أحد بعينه، والتي لا يدري الإنسان ماذا يفعل بها تحديدا. باستثناء أخبار الطقس والمرور فلا خبر تسمعه في الصباح أو تقرأه في (النيوز فيد) سوف يؤثر على خططك اليومية، أو يعطيك فكرة تساعدك على حل المشكلات التي تواجهك. وهذا هو المقصود بالمعلومة منزوعة السياق. بمرور الوقت أصبحت العلاقة بين المعلومة والفعل واهية وضعيفة حتى بهتت تماما.

هذا الاستهلاك المكثف للمعلومات العشوائية يؤدي لنوع من العبث وافتقاد الناس للحس السليم ويؤثر على إدراكهم للمعنى. المشكلة الآن لم تعد في معرفة المعلومات، إنما في معرفة ماذا نصنع بهذه المعلومات، ماذا يمكن أن نفهم وأن نستنتج منها. ولذلك فإن الكلمات المتقاطعة ثم برامج المسابقات إنما جاءت جوابا على سؤال: ماذا نفعل بكل هذه المعلومات المهلهلة مفككة الأوصال؟ بسيطة: نصنع لها سياقا وهميا لا يعتمد على أي نموذج فكري أو تحليل، يمكن فيه للشخص أن يجيب عن سؤال حول أكبر دولة منتجة للطماطم، يليه سؤال حول أول رئيس لنيكاراجوا ثم سؤال حول تاريخ أول كأس أمم أوروبية!

تكلمت مع أحد الضباط قبل الحرب الأخيرة على غزة، وعندما جاءت سيرة حماس قال لي: حماس عملاء لإسرائيل!! تعجبت وسألته كيف توصل لهذا الاستنتاج، فسألني بابتسامة: متى كانت آخر مرة أطلقت فيها حماس صاروخا على إسرائيل؟ (كان هذا الكلام وقت الهدنة بين الطرفين، وبالتالي لم تكن حماس قد أطلقت أي صاروخ منذ فترة طويلة!) طلبت منه مزيدا من الإيضاح .. أن يشرح نظريته، دون حتى أدلة .. فقط يخبرني عن تصوره لماذا صنعت إسرائيل حماس وماذا استفادت منها؟ وبم يفسر المعارك التي دارت بين الطرفين؟ هل كل هذا تمثيل؟ وكيف حدث ذلك الصنع؟ الخ. (بعبارة أخرى: أن يضع هذا الكلام في سياق) لكنه لم يستطع طبعا واكتفى بترديد مسألة ضرب الصواريخ (وقامت الحرب بعدها بشهور!) هذا الشخص عرف معلومة منفصلة تقول (حماس لم تطلق صاروخا على إسرائيل منذ كذا شهر) لكنه لم يكن قادرا على أبعد من هذا. أن يضع هذه المعلومة في سياق لكي يستنتج من السياق شيئا ما. هو لم يعتد على هذا. بالنسبة له فالأخبار كتل منفصلة لا يربطها رابط، ولا أهمية ولا معنى لأي سياق ولا اتصال بين الماضي والحاضر. الخبر هو التحليل والتحليل هو الحقيقة! هذا رجل فقد القدرة على التعامل مع المعلومات!

المشكلة الثانية في ضعف العلاقة بين المعلومة والفعل حتى انتهت تماما أو كادت أنه ينتج عن هذا شعور بالإحباط والعبثية والضعف الاجتماعي. في بداية الثورة المصرية مثلا، كانت أخبار اعتقال أحدهم مهمة لأن أفعالا من قبيل عمل صفحة بعنوان (الحرية لفلان) أو تغيير صورة البروفايل لصورته تمثل ضغطا قد ينتج عنه شيء، لكن الأمور تغيرت بعد ذلك. إن النشر المكثف لأخبار المعتقلين والشهداء والمجازر، والذي بدأ بغرض التوعية، قد أدى لعكس المراد منه. الآن، صار كثير من الناس يتجنبون هذه الأخبار المؤلمة لأنها تثير فيهم شعورا بالعجز واليأس والإحباط وقلة الحيلة. صارت نسبة العلاقة بين المعلومة والفعل أكبر من طاقة الكثيرين على الاحتمال بسبب كثرة الأخبار الخارجة عن مدار تأثيرهم، فأدى ذلك لإهمالهم الشأن العام بالكلية!

لهذه الأسباب، وأسباب أخرى، أغلق حسابي على فيس بوك كل فترة!

2 Responses

  1. ما شاء الله
    رائع كالعادة يا يحيي
    باستفيد من مقالاتك كثير جدا جدا فاستمر

  2. ما شاءالله ربنا يفتح عليك يا يحيى ، نظرتك مختلفه تماما لأن معظم اللي بيبعدوا عن وسائل التواصل فكرتهم انه بيضيق الوقت لكن محدش شفته تناول الأمر بالنظره العميقه دي وهذا الوعي
    لفتت نظري لنقاط مهمه كتيره ربنا يزيدك وياخد بإديك دايما