يقول السكان الأصليون لأمريكا: عندما بدأ كولومبوس رحلته كان يظن نفسه ذاهبا لمكان آخر، وعندما وصل إلى أمريكا كان تائها ولم يعرف أين هو، وعندما عاد إلى أوروبا لم يعرف أين كان! فمن الذي اكتشف من؟
قبل أن يأتي الأوروبيون لأمريكا عام ١٤٩٢ كان هناك ١٠ إلى ١٨ عشر مليونا من السكان الأصليين ينتمون لمئات القبائل ويتحدثون بأكثر من ٤٠٠ لغة منتمية ل٦٢ عائلة لغوية ولهم دياناتهم المختلفة. بحلول عام ١٩١٠ بسبب الحروب والأمراض التي جلبها الأوروبيون معهم، انخفض عددهم ل٣٠٠ ألف في كل أمريكا يعيش معظمهم في محميات. وبحلول عام ١٩٩٢ كان ما تبقى من لغات السكان الأصليين ٢٠٩ لغة فقط، منها ٤٦ لغة فقط يتكلمها الأطفال. خسارة هذه اللغات معناه خسارة المعرفة التقليدية والفلسفة والمنجزات الثقافية التي كانت لدى هذه القبائل
من أكثر القصص دلالة على ذلك قصة “إيشي” آخر فرد من قبيلة “إيهي” وآخر الهنود الذين كانوا يعيشون في البرية. كان عدد سكان قبيلة إيشي ٤٠٤ في منتصف القرن التاسع عشر في كاليفورنيا قبل بدأ جنون البحث عن الذهب. عندما هجم المستوطنون الجدد على الغرب بحثا عن الذهب اكتسحوا القبائل التي تسكن هذه الأماكن حتى اختفت تقريبا من هناك. بعد آخر مجزرة تعرضت لها قبيلة إيهي هرب إيشي مع أمه وأخته وعاشا في مكان معزول تماما لعدة سنوات حتى وجدهم الحراس وقتلوا أمه وأخته فهرب إيشي وعاش وحده في البرية لأربع سنوات أخرى، حتى اضطرته في النهاية إلى أن يسلم نفسه عام ١٩١١ فألقي القبض عليه وأجرى عالم الأنثروبولوجيا، كوبر، تجاربه عليه لمعرفة ما تبقى من لغته حتى مات عام ١٩١٦ لأنه لم يكن محصنا من “أمراض الحضارة” التي جلبها الرجل الأبيض معه!
عندما ذهب كوبر مع إيشي إلى أرض الياهي، التي فقدت كل سكانها، تعجب من أن إيشي كان يعرف اسما لكل شيء هناك، فأخبره عن أسماء مائتي حيوان ومكان إلى جانب مائة اسم لمائة نبات تستخدم في الأكل والعلاج لم يكن كوبر يعرف عنها شيئا .. كل هذه المعرفة ماتت بموت ملايين السكان واندثار لغتهم المسجل بها كل هذه المعرفة!


حين وصل المجرم كولمبوس إلى جزر البهاما، أرسل رسالة للموظف الخاص بالملكين فرديناند وإيزابيلا، اللذان كانا يحكما إسبانيا ومولا جزءا من حملته. تكلم كولمبس دون أدنى حرج في رسالته تلك عن بلاد مسكونة بالفعل، وعن وضع يده عليها وتسميتها بأسماء إسبانية. تكلم عن الناس الذين أخذهم بالقوة ليعملوا عنده مترجمين وأدلاء. وصف جمال البلاد وتنوع مواردها وكثرة خيراتها، وتكلم عن أهلها المتصفين بالخجل، العراة الطيبين الكرماء الذين يقبلون أي شيء مهما كان صغيرا تافها ويقابلونه بكل ما يملكون، ولا يرفضون طلبا أبدا بل ويدعون للمشاركة. حكي عن الجنود الذين بادلوا أحزمة وشرائط وأشياء لا قيمة لها، بالذهب والخيرات الكثيرة! هو نفسه بادل طاقيته مع الملك بتاج ذهبي! رأى الملك، الذي ساعد كولمبس على إنقاذ بعض سفنه من الغرق، ذلك علامة على حسن الضيافة، أما كولمبس فقد رأى ذلك تنازلا من الملك عن ملكه وأقرارا بسيادة كولمبس! وبعد أن يتحدث عن أن طيبة أهل البلاد هذه سوف تجعلهم يقبلون الدين المسيحي بسهولة ويذكر حسن وفادتهم له، يطلب من الملك إمدادات لاحتلال البلاد لأن أهلها لن يستطيعوا المقاومة لعدم معرفتهم بالأسلحة وأن إمكانياتهم البدنية سوف تجعل منهم عبيدا ممتازين!
هذا الخطاب الوضيع يكشف النظرة الشريرة لأولئك الهمج الرعاع الذين خرجوا من أوروبا كالجراد ليعيثوا في الأرض فسادا، ويفسر كثيرا من سلوكيات الرجل الأوروبي المنحط وكيف تعامل مع السكان الأصليين بعد ذلك. لمئات السنين كان هذا نمط العلاقة بين المهاجرين الأوروبيين والهنود. لم يفهم السكان الأصليون هذا الشر غير المبررخصوصا وأنهم قد رحبوا بالأوروبيين أول قدومهم ورغبوا في التعامل معهم. لكن أولئك المضطهدين الهاربين من قارتهم المليئة بالحروب لم تكن لديهم الرغبة في التعامل على قدم المساواة، فاكتسحوا أمريكا ودمروا قبائل وكونفدراليات السكان الأصليين في طريقهم واتخذت الإبادة أشكالا مختلفة: الحرب المباشرة والحرب البيولوجية والحرب الاقتصادية وأخيرا الحرب الثقافية. .
كان السكان في كاليفورنيا، على سبيل المثال، يعتمدون على الغزلان وصيدها. عندما جاء الأوروبيون بسبب البحث عن الذهب قتلوا الغزلان واستبدلوها بالمواشي، وعندما حاول الهنود الذين جاعوا أكل المواشي بدأ الأوروبيون بقتلهم، ولم يكن قتل الهنود في كاليفورنيا قانونيا فحسب بل كان مربحا أيضا (٥ دولارات لكل رأس هندي و٥٠ سنت لكل فروة رأس. وفي عام ١٨٥٤ وحده دفعت الحكومة الفدرالية للولاية أكثر من مليون دولار مقابل صيد الهنود في هذا العام .. تخيل كم كان عدد القتلى!!) نفس الأمر حصل بصورة أوسع مع هنود السهول عندما قتل الأمريكيون عشرات الملايين من الثور الأمريكي المحوري لاقتصاد ومعيشة هنود السهول ومصدر طعامهم الرئيسي حتى نقصت أعداده من حوالي ٢٥ إلى ٣٠ مليونا في القرن السادس عشر إلى أقل من مائة ثور في أواخر القرن التاسع عشر!

حتى العلاقات الودية التي جرت في بعض الأماكن كان لها أثر مدمر على أسلوب حياة السكان الأصليين. أبرز مثال على ذلك تجارة الفراء التي أقامها الأوروبيون مع بعض الهنود. أفاد الهنود، في البداية، من هذه التجارة، إذ كانوا يحصلون على الأدوات الأوروبية مقابل الفراء. لكن الأوروبيين زاد اهتمامهم فجأة بالفراء عندما أصبح ارتداؤه موضة في أوروبا، فأدى هذا إلى تغيير كثير من السكان الأصليين لنمط حياتهم فعمل معظمهم بالتجارة لأنها أسرع ربحا، وبدأوا في الصيد بغرض التجارة الواسعة فتغيرت علاقتهم مع الطبيعة. في الماضي، كانوا يقتلون الحيوانات لتلبية الحاجة الشخصية، أما الآن فقد أبيدت حيوانات مناطق بأكملها في ظرف عقود، والقبائل التي كانت تتاجر بسلام أصبحت عدوانية تجاه القبائل الأخرى بسبب التنافس على أرض الصيد، وكذا فقد ذهبت كل مواردهم من الحيوانات. صار أولئك الهنود يلبسون ملابس الأوربيين التي يبادلونها بالفراء كما صاروا يستخدمون أدوات الأوروبيين في قطع الأشجار. وأخذوا من الأوروبيين عادة بشعة، انتشرت فيهم كالوباء وصارت في وقت قليل جزءا من حياتهم الاجتماعية، وهي تعاطي الخمر، فتغير الكثير من سلوكهم. حين كانوا يسكرون كانوا يضربون زوجاتهم ويتشاجرون مع بعضهم بوحشية. بعد ذلك، سوف تصبح مقاومة الخمر أكبر هم للمصلحين، وسوف يكون أبرز مقاومي الاحتلال الأوروبي مدمنا سابقا للخمر قرر الإقلاع عنه والعودة للتقاليد وبدء الكفاح المسلح ضد الأوروبيين.
لكن أتعس قصة في هذا الصدد حدثت سنة ١٦٧٠ وهي قصة أمة “سي وي” في تشارلستون التي أصبحت حياتها الاقتصادية متمحورة حول التجارة. ولما كان الهنود يحصلون على أسعار مجحفة مقابل الفراء، ولما ظنوا أن انجلترا قريبة بسبب كثرة السفن الأوروبية، قرروا أن يتاجروا مباشرة معها، فبدأوا العمل سرا بصنع قوارب من أفضل الأنواع، وعملت الأمة كلها في ذلك المشروع، وعندما حان الوقت بعد شهور حملوها بالجلود والفراء، وذهب كل الرجال والنساء والقادرين على الإبحار ولم يتركوا إلا الكبار والأطفال والمرضى. عندما وصل الأسطول إلى قلب المحيط غرقت قواربهم الصغيرة ومن بقى منهم على قيد الحياة أنقذتهم سفينة عبيد انجليزية وبيعوا في جزر الأنديز الغربية. وهكذا اختفت قبيلة (سي وي) من الوجود!
بدأت تجارة العبيد أساسا بالهنود، ولم يلجأ الأوروبيون للأفارقة إلا بعد أن مات الكثير من السكان الأصليين بسبب التعب والأمراض وعدم القدرة على التناسل. (في بعض الأحيان كما في حالة قبيلة “تايينو” أول قبيلة يطأها كولومبوس، انتحر الناس جماعيا بالتوقف عن الأكل أو قتل أطفالهم وشنق أنفسهم بعد ذلك على جذوع الأشجار أو إلقاء أنفسهم من قمم الجبال بعد أن صارت حياتهم جحيما لا يطاق. وبهذا انتهى السكان الأصليون من تلك الجزيرة في ظرف سنوات). المرحلة الثانية من الحرب على السكان الأصليين كانت ب”قانون الإزالة الهندي” عام ١٨٣٠ ا لذي حكم بنقل من تبقى من قبائل الهنود إلى محميات غرب نهر المسيسيبي فنقل آلاف الناس من مساكن أجدادهم في الأرض المقدسة لهم التي عاشوا فيها لآلاف السنين، تحت حد السيف، إلى مستعمرات في أماكن قاحلة، بعيدا عن نمط حياتهم. مات الكثير في الطريق بردا وجوعا وحزنا فيما عرف بطريق الآلام عند بعض القبائل وطريق الدموع لقبائل أخرى. لكل قبيلة قصتها المختلفة.
كانت إحدى أهم أسباب هذا القانون إيواء قبائل السكان الأصليين للعبيد الهاربين، وخوف الأوروبيين من تعاون الهنود والعبيد ضدهم (وقد كان هذا هاجسا مخيفا جدا للأوروبيين وهناك وقائع حدثت بالفعل لعصابات من المتمردين مكونة من السكان الأصليين والعبيد الهاربين) كما كان من أسباب ذلك اكتشاف الذهب في بعض الولايات.
أكبر القبائل الهندية الموجودة حاليا هي قبيلة ال”شيروكي” وهذه القبيلة كانت من أوائل القبائل التي تبنت نمط الحياة الأمريكية وتركوا أزيائهم التقليدية وعاشوا في بيوت من دورين وصاروا أصحاب مزارع واعتنق كثير منهم المسيحية وساعدوا أمريكا في حرب الاستقلال. لكن حتى هذه القبيلة المتأمركة، لم يشفع لها هذا التأمرك حين صدر قرار الاستيلاء على أراضيهم وأجبروا على الرحيل تحت حد البندقية بما استطاعوا حمله فيما عرف بطريق الدموع ومات الآلاف منهم في تلك الرحلة. وكان سبب ذلك أن الجيش الأمريكي الوليد، كان مفلسا تماما ولم يجد ما يدفع به رواتب الجنود وقت الحرب ضد بريطانيا، التي ساعدهم فيها السكان الأصليون، فكان الحل الوحيد أنهم وعدوا أولئك الجنود بتوزيع أرض الهنود عليهم بعد الحرب، وساعد على ذلك عوامل أخرى منها اكتشاف الذهب في جورجيا وضيق الأمريكان من مساعدة هنود تلك المنطقة (الذين لم يقبلوا نمط الحياة الغربي) للعبيد الفارين وثوراتهم بين الحين والآخر.
عاش السكان الأصليون في فقر مدقع في محمياتهم الجديدة، وعند ذلك بدأت بعض الأصوات المتعاطفة معهم في الظهور. في الحقيقة، هذه النقطة مثيرة جدا للاهتمام. لم يبدأ التعاطف الأمريكي مع أصحاب الأرض إلا عندما تأكدوا من هزيمتهم تماما وأنهم لم يعودوا يشكلون تهديدا. تجسدت هذه النظرة في تمثال (نهاية الطريق) الذي عرض في مهرجان كاليفورنيا عام ١٩١٥ . يظهر التمثال محاربا هنديا حزينا مرهقا يمتطي حصانا متهالكا. يجسد ذلك التمثال هزيمة الهندي في نهاية طريق الدموع وانكسار مقاومته للأبد. الآن وقد تحققت هزيمة الهنود، وصاروا لاجئين في محميات يعيشون على الطعام الذي تلقيه لهم الحكومة الأمريكية. لم يعد الامريكان ينظرون إليهم كتهديد، وقرر الكثير من المصلحين في الساحل الشرقي مساعدتهم وكسر سياسة الطعام الذي يتلقونه من الحكومة على يد تجار بشعين. كان الحل من وجهة نظر أولئك “المصلحين” هو الإدماج التام للهنود وتحويلهم لأمريكان. كان مما لا بد منه، من وجهة نظرهم، أن يتخلص السكان الأصليون من ثقافتهم المتخلفة، التي سببت لهم كل هذه المعاناة! عن طريق ترك الحياة القبلية وتبني نمط الحياة الأمريكي. كان الشعار الذي رفعوه: اقتل الهندي .. وانقذ الإنسان (أي أن الحل الوحيد لإنقاذ الهنود هو سلخهم مما تبقى من هويتهم)
فجاء قانون توزيع الأرض على الأفرادعام ١٨٨٧ بغرض كسر التقاليد القبلية ونمط الحياة الجماعي وإجبارهم على تبني الفردانية والملكية الفردية، وأيضا من أجل سرقة الأرض المتبقية بعد توزيع الحصص على الأفراد. فتوافد المهاجرون الجدد على ما تبقى من المحميات الهندية، وكان الأمريكان يتنافسون على اليتامى الهنود لأخذ أرضهم بالوصاية عليهم. ثم أجبر السكان الأصليون على التعليم الأمريكي فبدأ نظام المدارس الداخلية فخطف الأولاد من آبائهم وعاشوا في ظروف قاسية جدا في هذه المدارس ومات منهم الكثير. كانت تلك المدارس تهدف إلى إزالة لغاتهم ومعاقبتهم لو تكلموها وكان أول ما يقابل الأطفال في تلك المدارس حلق شعورهم ورمي أي شيء يذكرهم بثقافتهم واختيار أسماء أمريكية. وكذا نشأ جيل هندي معزول عن ثقافته لا يعرفها. ولا تزال الذكرى الأليمة لهذه المدارس الداخلية ماثلة في أزهان العديد من السكان الأصليين وقد رأيت بنفسي آثار ذلك في طلاب كانوا معي في اتحاد طلاب السكان الأصليين، لم يبق لهم من إرثهم غير الاسم، وسمعت هنودا يتكلمون عن سحق هويتهم عن طريق تلك المدارس بالكثير من الألم!


لاحقا، سوف يتعرض السكان الأصليون لظلم من نوع آخر بعد اكتشاف البترول واليورانيوم والفحم بكميات ضخمة في أراضي محمياتهم. ولو كان الأمريكان السابقون يعرفون ذلك لما أعطوهم أبدا هذه الأرض. أدى هذا لتلوث كبير في مستعمرات الهنود بسبب أعمال الحفر والتنقيب إلى جانب ارتفاع نسب الإصابة بالسرطانات والأمراض الأخرى في أراضيهم!
والآن هناك حركة إحياء هندية للمطالبة بحقوقهم ومحاولة إنقاذ ما تبقى من الثقافة. من أشهر ما قامت به تلك الحركة كان الاحتلال السلمي لجزيرة الكاتراز الشهيرة عام ١٩٦٩ والذي استمر أكثر من عام ونصف بهدف جذب الاهتمام للحقوق المسلوبة للسكان الأصليين وما يتعرضون له من ظلم.



قاوم السكان الأصليون كثيرا، وبعض صفحات مقاومتهم تستحق ذكرا منفصلا، لكن كل تلك المقاومة سحقت للأسف. حين سألت السيد “جسيتاناموك”، أستاذ دراسات السكان الأصليين بجامعة ماين، لماذا لا يحمل الهنود السلاح الآن؟ قال إن أي عمل من ذلك مصيره الفشل وسوف يتخذ ذريعة لسحق الهنود تماما. لكن أعظم أنواع المقاومة هي المقاومة الثقافية. وقد كنت أفكر أن أولئك الذين لا يزالون محتفظين بهويتهم رغم كل ما حدث، هم أبطال بحق.
زرت مستعمرة الهنود فيما يسمى ب”الجزيرة الهندية” القريبة من جامعة ماين، وهناك زرت المدرسة التي يحاولون فيها الحفاظ على ما تبقى من لغات قبائلهم الخمسة في تلك المنطقة ورأيت جهودهم الحثيقة لإحياء اللغة. وقد كنت سعيد الحظ فحضرت احتفال كوندفرالية واباناكي (المجموعة الرئيسية من القبائل الهندية في ماين) بقدوم الربيع. ارتدى الناس الأزياء التقليدية ورقصوا على أنغام الطبول. أجمل مشهد رأيته كان اجتماع الشيوخ والأطفال على الطاولات المخصصة لقرع الطبول. كان منظر الأطفال مع الشيوخ موحيا بأن التقاليد لم تمت تماما، ولن تموت ما دام هناك من يحملها!

