حين وصل الأوروبيون إلى أمريكا بمحض الصدفة، التي هي شر من ألف معاد، تعجبوا كثيرا من وجود أولئك السكان (الذين قرروا تسميتهم بالهنود الحمر دون تصحيح لخطأ كولمبوس الذي ظن نفسه قد وصل للهند) ذلك أنه لم يذكر أبدا في الكتاب المقدس أي شيء عن الهنود الحمر فمن أين جاءوا إذن؟! ومن هنا برز السؤال: هل أولئك الهنود بشر أصلا أم لا؟! رفع الأمر لبابا الفاتيكان، الذي قرر عام ١٥١٢ أن الهنود بشر لهم أرواح people and have souls!

وكان من أحد التفسيرات التي أوجدها المسيحيون لتتماشى مع الكتاب المقدس أن أصل هؤلاء السكان يعود إلى أحد القبائل المفقودة من بني إسرائيل، وقد قابلت في التايمز سكوير بنيويورك، وفي مدينة بالتيمور جماعة من اليهود السود، لم أر أكثر منهم حقدا وشرا، وكانوا يعتقدون بأن بني إسرائيل الحقيقيين هم السود والسكان الأصليون للأميركتين وأنه ما إن يصل عددهم إلى نفس العدد الذي عبر البحر مع سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ حتى يأتي المسيح ويبدأ عصر الانتقام ممن ظلمهم واستعبدهم لآلاف السنين. حينها، سوف يستعبدون أولئك الذين استعبدوهم، وعلى رأسهم المصريين طبعا. حاولت أن أكسب ودهم عن طريق الأسئلة الصادقة  بغرض الفهم، وأن أقنعهم أنني إنسان بسيط أريد أن أن أعيش بسلام، لكنهم كانوا   مستهلكين تماما بالكراهية وأبوا إلا الانتقام الذي هو وعد الله لهم، ولكن تلك قصة أخرى على كل حال. ومن التفاسير التي أوجدها الأوروبيون أن الهنود جاءوا من قارات مفقودة مثل أطلنطس، أو أنهم عبروا المحيط الأطلسي بشكل ما من مصر، وقد بدت الفكرة الأخيرة منطقية لوجود الأهرامات في المكسيك.

IMG_2149
صورة لمن يعتقدون أنفسهم بني إسرائيل الحقيقيين في ميدان التايمز بنيويورك. يقرأ أحدهم آيات من الكتاب المقدس بصوت حربي .. بينما يشرح الآخر ويتوعد العالم بالخراب ما إن ينزل المسيح المنتظر!

لكن الحقيقة أنه قبل أن يأتي الأوروبيون لأمريكا عام ١٤٩٢ كان هناك ١٠ إلى ١٨ عشر مليونا من السكان الأصليين ينتمون لمئات القبائل ويتحدثون بأكثر من ٤٠٠ لغة منتمية ل٦٢ عائلة لغوية ولهم دياناتهم المختلفة وفلسفات ونظم سياسية واجتماعية مستقرة.

من المباديء الأساسية للسكان الأصليين بأمريكا، أنه لا يمكنك أبدا أن تخبر إنسانا بما ينبغي عليه أن يعتقد لأن لكل إنسان طريقه الخاص به وحده. يؤمنون بأن كل الأشياء حية حتى الجمادات، وكل الأشياء تمت لنا بصلات القربى. ما يفعله الإنسان لأي شيء يفعله بنفسه في الوقت ذاته، فالكل واحد.

أخبرني البيروفيسور كيسيدتاناموك، أستاذ دراسات السكان الأصليين بجامعة ماين، وأحد أعضاء قبيلة “ماشبي” بماساتشوستس، أنه قبل قدوم الأوروبيين لم يكن لدى الهنود هذا المفهوم المسيحي بالثنائية بين الخير والشر والنور والظلام. في الواقع، فإن ٥٪ فقط من الوجود نور والباقي ظلام .. بالنسبة للهنود فالظلام مقدس. لم تكن في لغات الهنود كلمة للتعبير عن معنى الشر. أما الشخص معتل السلوك فقد كانوا يقولون بأنه غير متوازن أو حائد عن الطريق الصحيح.

gk
صورة للبروفيسور “كيسيدتاناموك” أستاذ دراسات السكان الأصليين بجامعة ماين، والذي Hفدت منه كثيرا!

يؤمن الهنود كذلك أن كل حيوان يعرف أكثر مما تعرف، ومن الحيوانات نتعلم. يقول السيد “كيسيدتاناموك”: لو نظرت إلى الكون من الأعلى سوف تجد أن المجرات في تشابكها تشبه شبكة العنكبوت. وحكى لنا أنه أراد أن يغسل أطباقا ذات يوم فوجد عنكبوتا (الجدة عنكبوت بحسب تعبيره!) قد مدت شبكتها حول الحوض. اضطر أن يقطع جزءا من الشبكة ليستطيع غسل الأطباق. يقول: “اعتذرت للعنكبوت قبل أن أفعل ذلك لأن هذه الشبكة بيتها.” في اليوم التالي وجد العنكبوت قد غيرت مكان شبكتها إلى جانب النافذة حتى لا تعيق وصوله إلى الحوض.

في إحدى المحاضرات حكت لنا إحدى السيدات من السكان الأصليين بماين (من كونفدرالية الواباناكي) عن تجربتها مع نبات البايوتي المخدر وكيف أنها تناولته لأنها تعمل في الأعشاب وتؤمن أنها لا تعرف النبات حق المعرفة حتى يكون قد دخل في جسمها! هذه العلاقة الوثيقة بين السكان الأصليين لأمريكا والأرض لم يفهمها الأوروبيون الذين ينظرون للأرض باعتبارها سلعة أو ملكية أو مصادر طبيعية أو رأس مال في مقابل الهنود الذين ينظرون للأرض باعتبارها وطنا وشيئا مقدسا.

في محاضرة في مستعمرة الهنود الحمر بأورونو (المقامة على جزيرة منعزلة تسمى الجزيرة الهندية) قال أحد المحاضرين إن هناك فرق بين الطريقة التي يسمي الأمريكان بها الأرض والطريقة التي يسمي الهنود بها الأرض .. أسماء الأمريكان متعلقة بالأشخاص العظماء أو الصفات الحميدة مثل الأمل. أما عند الهنود، فالأسماء تتحدث عن علاقة الإنسان بالأرض وما تستطيع هذه الأرض أن تقدمه للإنسان .. يستطيع الهنود مثلا معرفة فروع النهر التي لا تصلح للإبحار فيها بالقارب من مجرد ذكر الاسم. تحدثت (روبن كيمرر) عن هذا الاحترام للأرض فقالت: يستطيع الأمريكي المعاصر أن يسمي مئات الماركات العالمية لكنه لا يستطيع سوى تسمية القليل جدا من النباتات .. إن حفظ أسماء النباتات والحيوانات علامة على الاحترام، وتجاهل الاسم علامة على عدم الاحترام. لو أردنا أن ندعم الأرض فينبغي أن نبدأ بحفظ أسماء النباتات! وتكلمت عن مفهوم (الحصاد الشريف) ومبادئه: لا تحصد إلا ما تحتاج إليه، لا ما تريده، واترك شيئا للآخرين. استخدم كل ما تحصده باحترام ولا تضيع ما أخذت وشاركه مع الآخرين، كما شاركته الأرض معك. كن ممتنا وبادل الهدايا. اسأل الإذن قبل أخذ الحياة والتزم بالإجابة، واحصد بطريقة تقلل الأذى وحافظ على المصادر التي تتغذى عليها وسوف تبقى الأرض للأبد! لا تأخذ أكثر من النصف. لا تكن أبدا أول الآخذين ولا تكن أبدا آخرهم!

لا ينظر الهنود للطبيعة نظرة هرمية يكون الإنسان فيها في أعلى الهرم، وإنما يرونها دائرة من التكامل ويقولون إن هناك فرق بين المعرفة التقليدية والمعرفة العلمية الحديثة: المعرفة التقليدية ناتجة عن مراقبة للطبيعة منذ آلاف السنين بينما المعرفة العلمية تأخذ شريحة من الزمن للطبيعة وتحلل النتائج، وبالتالي فالمعرفة التقليدية أكثر إدماجا وأوسع، والتعاون بينهما مهم لحماية البيئة. من أمثلة ذلك أن الحكومة قررت أن تبني سدا على إحدى الأنهار في ولاية (ماين) وأرادت ترك منفذ للأسماك على الجهة اليمنى من السد لكي تمر منه فلا ينقطع طريق هجرتها. وأرادت الحكومة التنسيق مع السكان (لأن النهر داخل في حدود محميتهم) فاجتمعت مع القبائل وهناك أخبرهم اثنان من السكان الأصليين القاطنين في تلك المنطقة أن هذا المنفذ ينبغي أن يكون على الجهة اليسرى لا اليمنى لأن هذه هي الجهة التي يهاجر منها السمك وهما يعرفان ذلك لأنهما يسكنان على النهر ويتابعان  الأسماك. وفر ذلك الأمر على الحكومة مئات آلاف الدولارات!

كل هذا لم يكن مفهوما للمهاجرين الأوروبيين. كانوا يقولون مثلا إن الهنود لا يستفيدون بالأرض .. هذه المساحات الشاسعة من الغابات لابد من الاستفادة منها بقطعها وتحويل الأرض للزراعة. لم يفهموا أن السكان الأصليين كانوا يتبنون نظام زراعة يحافظ على الأشجار فيزرعون حولها دون قطعها.

من هنا برزت فكرة the manifest destiny

 انتشر هذا الاعتقاد بأن عبء الرجل الأبيض والمسئولية الملقاة على عاتقه من قبل القدر (الذي كانوا يرمزون له بامرأة بيضاء) أن ينقل هذه الجماعات الهمجية من البشر من البربرية إلى الحضارة وأن يستفيد من هذه المساحات “المهدرة” من الأرض. أسفرت عملية التحضير هذه عن انخفاض عدد السكان الأصليين بحلول عام ١٩١٠ إلى ٣٠٠ ألف في كل أمريكا يعيش معظمهم في محميات. أما كيف حدث ذلك وكيف أثر هذا التواصل بين الرجل الأبيض “المتحضر” والسكان الأصليين على من تبقى منهم،  فهي قصة طويلة حزينة!

destiny
صورة القدر الحتمي كما كان يرسمها الأمريكان: امرأة بيضاء تشرف على جحافل المهاجرين الأوروبيين إلى الغرب مكتسحين الهنود في طريقهم!

One Response

  1. معلومات قيّمة جدًا، استمتعت جدًا بإضافة بعض من تاريخ شعب مثير للفضول الى جعبتي، وتألمت كثيرًا للمأساة التي عاشوها وما زالوا يعيشونها حتى يومنا هذا، تحياتي