انتبهت منذ قليل إلى ما كتبه الصديق أحمد شعبان في “إنترو” حسابه على فيس بوك:
“أليوشا، كمال عبد الجواد، الشيخ حسني، هيبا، جورج أوماللي، طارق رمضان شخصيات خيالية بتمنى أكون واحد منهم”
وغريب أنني لم أفكر في هذا من قبل، يعني أن أكون شخصية خيالية، وإنما أكتفي بالشعور بالصلة مع شخصية ما أو موقف ما.
يعيش الإنسان أكثر الوقت مستغرقا في أفكاره ومشاعره، فإذا وجد أن هناك من عبر عنها شعر بالراحة والتخفف وقل شعوره بالاغتراب. يعني ذلك أنه ليس وحده تماما، وأن من هناك من يفهمه. يشبه الأمر حال غريب تائه في بلد أجنبي يسمع من يتكلم بلغة بلاده. جربت هذا الإحساس ذات مساء بارد موحش حين تهت في حي مخيف من أحياء “أورلاندو”، بلا خطة ولا ملابس كافية ولا عنوان واضح ولا وسيلة اتصال عصرية. كان للكلمات العربية التي سمعتها من صاحب أحد المتاجر وقع مطمئن. لا أذكر أنني فرحت بسماع كلمات عربية مثلما فعلت ذلك اليوم (بصرف النظر عن أن البائع لم يرشدني إلى مقصدي)
حين يتعلق الأمر بالآراء، يحب الإنسان أن يشعر بتفرد آرائه، ويكون حاله: وإني وإن كنت الأخير زمانه ** لآت بما لم يستطعه الأوائل. لكنه لا يحب أن يشعر بتفرد مشاعره (ولولا كثرة الباكين حولي ** على إخوانهم لقتلت نفسي).
هذه الصلة مع الأشخاص أو المواقف مصدر عزاء كبير لقراء الأدب. (وأحيانا ما يكون هذا الاتصال مزعجا لأنه يكشف للإنسان عن جوانب في نفسه لم يكن يعرفها).
من الشخصيات التي أحببتها كثيرا وشعرت تجاهها بالتعاطف، “هولدن كوفيلد”، الشخصية الرئيسية في “حارس حقل الشوفان”. يشعر كوفيلد بالغضب العارم من الزيف والادعاء والتصنع في سلوكيات الناس. هذا الغضب، وهو غضب طفولي بعض الشيء إن أردت الحقيقة، إلا أنني أتفهمه تماما وأفهم كيف أن الادعاء لا يطاق وأفهم أثر هذه السلوكيات على مزاجه وحياته. تعاطفت مع حيرته العامة، الناتجة عن الغياب التام لأي خطة، واستبدالها بفورات الاندفاع المجنونة غير المنطقية لمشاريع مخبولة لا معنى لها. أفهمه تماما حين يصف كثيرا من الأشياء بأنها محبطة وكئيبة وحزينة، حتى وإن كانت لا تبدو كذلك في ظاهر الأمر!
أفهم جدا ما ختم به بطل رواية “الليالي البيضاء”، لدستويفسكي، حين قرر مسامحة حبيبته التي تركته بمجرد أن ظهر حبيبها القديم، وبرر ذلك أنها وهبت حياته المملة لحظة سعادة “لحظة سعادة بأكملها .. رباه .. هل تحتاج حياة إنسان إلى أكثر من هذا؟!”. الحقيقة أنني لو كنت مكانه لما سامحتها أبدا، لكنني أفهم ما يتكلم عنه من قيمة لحظات السعادة النادرة، وأن حياة الإنسان، في النهاية، ربما لا تساوي أكثر من مجموع هذه اللحظات النادرة، وأن ما سواها حواش وهوامش لها.
انحفر في ذهني مشهد الفتاة الصينية “تنج تنج مين” في “رحلة البحث عن الشجاعة” حين جلست تبكي على قارعة الطريق وتشتكي: لماذا أنا جبانة؟! وقد أدركت أن حياتها لن تستمر أكثر من هذا قبل أن تجيب على سؤالها. كان ألم السؤال بداية رحلتها مع النملة إلى “العم عارف كله كله” لتكتشف أن الكنز في الرحلة وأن معرفة الناس كنوز، وأن معرفة النفس أنفس الكنوز. لكن بعض المعارف والمشاعر المتفردة ولحظات الإدراك لا سبيل لها إلا بالرحلة!
يكشف الأدب عن مخاوفنا كذلك ويساعدنا على فهم أنفسنا. لمحمود السعدني قصة قصيرة، لا أذكر عنوانها، عن فلاح عاش حياة رتيبة في قرية ما، حتى زارت قريتهم ذات يوم “خواجاية” من بلاد الإنجليز. هبت نسمة هواء فطار فستان المرأة ورأى الفلاح أول، وربما آخر، رجل أنثى في حياته. وحين أرادت المرأة أن تنزل من الحمار، وقعت فاحتضنها لثوان. هذا الحدث هو أكثر الأشياء إثارة في حياته، وسوف يمضي الفلاح ما تبقى من حياته على المصطبة يحكي قصة الخواجاية لفلاحين آخرين يسألونه كلما رأوه، متندرين: احكيلنا حكاية الخواجاية!
قصة كئيبة جدا. الذكريات حلوة، لكن ماذا لو لم يعد في حياة الإنسان إلا بعض الذكريات؟ لا حاضر ولا مستقبل. حينها تصبح الذكريات الحلوة مصدرا للتنغيص الدائم وتذكيرا بالفشل وانتهاء الحياة واختزالها إلى ماض بلا حاضر ولا مستقبل. شهادة معاش مبكر.
لدستويفسكي رواية أخرى بعنوان (قلب ضعيف) عن موظف يحظى بعطف رئيسه في العمل. يقابل بطل الرواية الشاب فتاة أحلامه، ويشعر أن هذه السعادة أكثر مما يستحق. ثم إنه في غمرة انشغاله نسى أعمالا كان قد عهد إليه بها هذا الرئيس الطيب. يقتله تأنيب الضمير حتى ينهار تماما ويصاب بالجنون. حين يعلم مديره بما حدث يقول:”مسكين .. مع أن الأمر الذي عهدت به إليه لم يكن لا هاما ولا مستعجلا .. هذا إنسان ضاع في سبيل لا شيء!”
أصابتني هذه القصة بغم شديد .. ذلك أنه لا شيء أكثر كآبة من تضحية ضائعة وتراجيدا بلا معنى.
جعلتني هذه الرواية أفهم مشاعري تجاه مأساة رابعة .. هذا الشعور بالمرارة والإحباط المتزايد مع مرور الوقت سببه إدراكي أنه ما من دروس مستفادة ولا أهداف تحققت من هذه المأساة. فقط مات الناس. كلما تكلمت مع الناس أدركت أنه لا أحد استفاد تقريبا من المذبحة: أن هؤلاء الناس ضاعوا في سبيل لا شيء!
ولكنني الآن أفكر، بمناسبة ما كتبه صديقي شعبان، أنه لو أتيح لي أن أختار حياة أحد الأبطال الخياليين، لاخترت حياة حسن الوزان/ ليون الأفريقي: الرجل الذي رأى أكثر من أي شخص آخر في عصره، لكنه فقد الكثير مقابل ذلك.
كانت الرواية تزداد ثقلا كلما اقتربت من نهايتها. في ذهني كانت خريطة بكل الأماكن التي زارها والناس الذين التقى بهم وفقدهم (وكل مصيبات الزمان وجدتها ** سوى فرقة الأحباب هينة الخطب) والذكريات التي صنعها والحيوات التي أسسها والإرث الذي تركه. وفكرت في هذه الثنائية شبه الحتمية: حياة ممتلئة مليئة بالأحزان أم حياة راكدة خفيفة الأحزان؟
الذي انتهيت إليه أنني أفضل الحياة الممتلئة .. يبدو أنه لا سبيل للنمو والتزكية والمعرفة إلا بالكبد والمعاناة “والمغنم على قدر المغرم”. على أن حسن الوزان، مع ذلك، شخصية حقيقية لا خيالية!